شجاعة ملك يقول الحقيقة كما هي

تم نشره في الثلاثاء 5 تموز / يوليو 2005. 02:00 صباحاً

ثمة حاجة الى حوار اسلامي-اسلامي، وان يكون هناك اتفاق على وحدة الكلمة، بغية اعطاء صورة حقيقية عن الاسلام بدل الاكتفاء بإلقاء اللوم على الآخرين، او على الاصح قبل توجيه اي لوم الى الآخرين.

هناك ملك شجاع اسمه الملك عبدالله الثاني يعتبر بين القلائل في العالم العربي والاسلامي من الذين يتجرؤون على قول الحقيقة كما هي. وقد عبر العاهل الاردني عن ذلك في افتتاح المؤتمر الاسلامي الدولي الذي بدأ اعماله امس في عمان، امام نحو 170 شخصية اسلامية ستبحث في التحديات التي تواجه الامة.

من هذا المنطلق، اكد الملك عبدالله الثاني اهمية توحيد مواقف اتباع المذاهب الاسلامية الثمانية، اي المذاهب السنية الاربعة اضافة الى الجعفري والاباضي والزيدي والظاهري. ووحدة المواقف لا يمكن ان تقوم على فراغ، بل على مبدأ واضح هو اعتراف كل مذهب بصحة اسلام اتباع المذاهب الاخرى، وعدم جواز تكفير اي مسلم من اتباعها.

يستهدف ما قاله العاهل الاردني في خطابه وضع الامور في نصابها، بعيدا عن الغوغاء التي جعلت كل من قرأ كتاباً عن الاسلام يسمح لنفسه باطلاق فتاوى لا علاقة لها بالدين لا من قريب ولا من بعيد. ولهذا السبب، يمكن القول ان خطاب الملك عبدالله كان خطاباً اساسياً، اقله لانه يقطع الطريق على المزايدات والمزايدين ومشوهي صورة الاسلام، من الذين يفتون حتى بجواز قتل النساء والاطفال، بل ذبحهم كما حصل في الجزائر خلال السنوات الاخيرة.

ان الاسلام دين عصري، انه دين التسامح والحوار، انه دين الانسانية. تلك رسالة الاسلام التي يفترض بالمسلمين حملها الى العالم، ولذلك قال الملك عبدالله ان الاعتراف بالمذاهب اعتراف بمنهجية الافتاء وتحديد من المؤهل لهذه المهمة، مما يؤدي الى عدم تكفير "بعضنا بعضا، واغلاق الباب امام الجاهلين الذين يمارسون القتل والارهاب باسم الاسلام، والاسلام منه بريء".

لا حاجة للملك الهاشمي الى دروس من احد، انه يعطي دروساً في ما يعنيه الاسلام للمسلمين والبشر، مستنداً الى الآيات الكريمة التي تؤكد ان الاسلام "قدم احسن الاحكام في حماية حقوق الانسان وصون حريته وكرامته الانسانية بغض النظر عن دينه او جنسه او لونه"، كما تؤكد ان الاسلام "يدعونا الى الانفتاح على الآخرين والاستفادة من تجاربهم وخبراتهم في شتى ميادين الحياة".

ربما كان اهم ما في خطاب العاهل الاردني دعوته الى توحيد موقف اتباع المذاهب الاسلامية الثمانية، وهي دعوة تؤكد ضرورة الابتعاد عن التعصب والتزمت. وقد وجه الملك دعوته هذه في حضور علماء مسلمين من كل المذاهب، وذلك يدل على مدى الثقة بالنفس وبالحضارة الاسلامية والتراث الاسلامي، اضافة بالطبع الى الابتعاد عن العقد التي تتحكم بكثيرين من الحكام العرب والمسلمين، الذين تركوا بعض اشباه الاميين او اشباه المتعلمين، لا فارق، يتحكمون بمجتمعاتهم، فاذا بهم يحصدون الفكر الارهابي الذي زرعه هؤلاء.

بكل بساطة، تطرق الملك عبدالله الثاني في خطابه الى ما لا يجرؤ غيره على التطرق اليه، مشددا على ان وحدة المسلمين هي المبدأ، في حين ان "الاختلاف هو على بعض المسائل الفرعية التي ظهرت بعد وفاة سيدنا محمد عليه الصلاة والسلام، لاسباب تتعلق بالخلافة وبعض امور الدنيا والسياسة. وقد تضمنت فتاوى كبار علماء الامة الاسلامية صحة التعبد بأي من المذاهب الاسلامية الثمانية".

يبقى ان الملك عبدالله الثاني اظهر مرة اخرى انه زعيم حقيقي. انه زعيم يقود الشارع، ويسعى الى توعيته بدل ان ينقاد له. انه يسعى الى تفادي سقوط المواطن العادي ضحية الجهل والغوغاء، لذلك يدعو الى اسلام متقدم ومتطور، يستند الى المبادئ الحقيقية للدين الحنيف. ولذلك ايضا يدعو الى ثورة تعليمية في الاردن، تجعل من المملكة على تماس مع العالم بدل الانغلاق على النفس. انه يقود بلده بكل هدوء في اتجاه المستقبل، ويشده اليه بقوة. ونقطة البداية هي دائماً في التطلع الى الذات، ولذلك قال: "بداية دعونا نعترف باننا نحن المسلمين قد قصرنا في حق ديننا وفي حق انفسنا. وقد اسهم بعض المسلمين او ممن يرفعون شعارات اسلامية في تشويه صورة الاسلام والمسلمين، والاساءة اليهم بقصد او بغير قصد".

ما لم يقله جلالة الملك ان هؤلاء اساؤوا الى الاسلام بقصد. ولذلك كان لا بد من "رسالة عمان" التي اعلنت في شهر رمضان المبارك من العام الماضي "من اجل نبذ الخلاف بين المسلمين وتوحيد كلمتهم وموقفهم". انها رسالة من اجل الرد على التحديات التي تواجه المسلمين والعرب عموماً في عالم لا يرحم. والاكيد انهم لن يكونوا قادرين على مواجهة هذه التحديات من دون مراجعة نقدية في العمق، تبدأ بسؤال بسيط هو الآتي: اين اخطأنا؟

التعليق