هل يستفيد الفلسطينيون من المعطيات الأميركية الجديدة ؟

تم نشره في الأحد 3 تموز / يوليو 2005. 03:00 صباحاً

   حصل تطور في غاية الأهمية على صعيد العلاقات الأميركية-الفلسطينية. ويتمثل هذا التطور في الكلام الذي صدر عن الرئيس جورج بوش الابن بعد محادثاته مع الرئيس الفلسطيني، السيد محمود عباس (أبو مازن)، في البيت الأبيض يوم 26 أيار الماضي.

    يبدو واضحاً ان ليس في العالم العربي من يريد أخذ علم بالذي حصل والبناء عليه، من منطلق أن الرئيس الأميركي هو في الواقع العملي صاحب الكلمة الأولى والأخيرة في شأن كل ما له علاقة بالسياسة الخارجية للقوة العظمى الوحيدة في العالم. ويمكن بالطبع استثناء قلة عربية، تعرف أميركا وتعرف كيف التعاطي معها.

     قال جورج بوش بالحرف الواحد، والى جانبه "أبو مازن"، ان مفاوضات الوضع النهائي بين الفلسطينيين والإسرائيليين يجب ان تبدأ انطلاقاً من "خطوط وقف إطلاق النار للعام1949"، مشيراً إلى ان لا تعديل لهذه الخطوط من دون موافقة فلسطينية. وأضاف بوش ان على اسرائيل الامتناع عن الاقدام على أية خطوة "يمكن أن تؤثر سلباً على مفاوضات الوضع النهائي". ولم ينس الرئيس الأميركي القدس؛ إذ اعتبر ان تحديد وضع المدينة المقدسة يدخل في إطار مفاوضات الحل النهائي.

إذا أخذنا الوضع الفلسطيني قبل اقل من سنة وقارناه بما هو عليه اليوم، يتبين أن تقدماً حقيقياً تحقق في مجالات معينة. يكفي للتأكد من ذلك أن الرئيس الفلسطيني عاد مجددا من زوار البيت الأبيض بعدما أغلقت أبوابه بإحكام في وجه الرئيس الراحل ياسر عرفات في السنوات الأربع التي سبقت وفاته. اكثر من ذلك، فإن الكلام الأخير لبوش امام "أبو مازن" يعكس الى حد بعيد، انقلاباً في الموقف الأميركي كما عبر عنه الرئيس في نيسان من العام 2004، عندما تعهد لآرييل شارون بأن لا عودة الى خطوط العام 1967، مؤكداً أن باستطاعة إسرائيل الاحتفاظ بالتجمعات السكنية الكبيرة في الضفة الغربية.

     لا يزال أمام الجانب الفلسطيني الكثير ليفعله، اذا كان هدفه الاستفادة من المعطيات الأميركية الجديدة. ولا شك أن الاجتماعات التي عقدتها اللجنة المركزية لـ"فتح" في عمان وانتهت يوم أمس، تندرج في سياق الخطوات التي لابد من الإقدام عليها بغية الاستفادة من الجديد الأميركي، لا لشيء سوى لأنه لا استفادة من أي تطور إيجابي، من أي نوع كان، دون إعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل. وإلى إشعار آخر، تظل "فتح" حجر الزاوية لأية عملية إعادة ترتيب للبيت!

     تعتبر اعادة ترتيب البيت الفلسطيني من الداخل أولوية الأولويات، خصوصاً في المرحلة الراهنة، التي تسعى فيها إسرائيل الى انسحاب احادي الجانب من قطاع غزة في مقابل تكريس احتلالها لجزءٍ من الضفة الغربية، بما في ذلك القدس، كل القدس، والمناطق المحيطة بها.

وفي مثل هذه الظروف، يمكن القول إنه إذا كان الجانب الفلسطيني يمتلك حدا أدنى من الشجاعة، فيترتب عليه مباشرة عملية نقد للذات في العمق. وتتطلب مثل هذه العملية التعرض للأسباب التي جعلت "فتح" قبائل وعشائر وفرقاً، بدل أن تكون ملتفةً حول السلطة الوطنية الفلسطينية وبرنامجها السياسي تحديداً. كذلك، يفترض أن يكون هناك نقد ذاتي يتعرض لفوضى السلاح، ولماذا لم تستفد المقاومة الفلسطينية في شيء من تجربتي الأردن ولبنان؟ ومن أهم الأسئلة التي قد يتوجب على الجانب الفلسطيني طرحها على نفسه: كيف يمكن أن يكون هذا الصعود لـ"حماس" على حساب "فتح"، في وقت ليس لدى "حماس" أي برنامج سياسي واقعي قابل للتطبيق... إذا وضعنا جانباً الشعارات التي لا تصلح الا للمزايدات؟!

     كان غياب القدرة على ممارسة عملية نقد ذاتي في العمق السمة البارزة لأكثرية القياديين الفلسطينيين، بغض النظر عن التنظيم الذي ينتمون إليه. وشمل ذلك، للأسف الشديد، كثيرين من الذين عادوا إلى فلسطين في أعقاب توقيع اتفاق أوسلو خريف العام 1993. أما الآن، وفي غياب الرئيس ياسر عرفات الذي كان قادراً على تغطية كل الأخطاء مهما بلغت ضخامتها، مثل قرار عسكرة الانتفاضة الذي اتخذ اثر فشل قمة كامب ديفيد، التي ضمت إلى جانب عرفات كلا من الرئيس كلينتون ورئيس الوزراء الإسرائيلي وقتذاك إيهود باراك، يتحول غياب القدرة على ممارسة النقد الذاتي الى سلسلة أخطاء، يمكن أن تترتب عليها نتائج في غاية الخطورة؛ ذلك أن العالم الذي تتحرك فيه القضية الفلسطينية عالم لا يرحم. إنه عالم في حاجة الى زعماء حقيقيين، لا ينقادون للشارع بمقدار ما يعملون على قيادته وتوعيته بالحقائق وموازين القوى الحقيقية.

    بكلام أوضح، لا بد من التعامل مع العالم كما هو، وليس كما يتصوره ذلك اللاجئ المظلوم، القابع في أحد مخيمات الاردن أو سورية أو لبنان... أو تحت الاحتلال الإسرائيلي. هذا اللاجئ يعتقد أن قضيته ستنتصر لمجرد أنها محقة وعادلة! والحقيقة أن القضية يمكن أن تنتصر اذا وجد من يدير الصراع السياسي مستنداً الى الدعم الأميركي، من منطلق ان للولايات المتحدة في هذه الايام، مصلحة في التسوية، نظراً الى أنها تبحث عن الاستقرار في المنطقة كي تتفرغ لكيفية الخروج من المأزق الذي وجدت نفسها فيه في العراق.

     إذا لم يدرك الجانب الفلسطيني بكل مكواناته هذا الواقع، لن يكون بعيداً اليوم الذي سيتبخر فيه كلام بوش الابن أمام "ابو مازن". عندئذ، يكون الفلسطينيون قد أضاعوا فرصة أخرى يصعب تعويضها، ليس لأنهم لم يحسنوا إعادة ترتيب بيتهم وحسب، بل لأنهم لم يستوعبوا معنى العيش في عالم ما بعد 11 ايلول 2001؛ إنه بكل بساطة وصراحة، عالم لا يتقبل مسلحين ملثمين يطلقون النار في الهواء عشوائيا! هذا المشهد يحول أكبر ارهابي الى ضحية، وصاحب أكثر القضايا عدالة الى مجرم. من هنا يمكن أن تبدأ عملية النقد الذاتي فلسطينيا، والا انطبق على الفلسطينيين قول: اليوم أفضل من غد، وغد أفضل من اليوم الذي سيليه!

كاتب لبناني مقيم في لندن

opinions@alghad.jo 

التعليق