استرضاء الرأي العام على حساب الحقوق!

تم نشره في السبت 18 حزيران / يونيو 2005. 02:00 صباحاً

   هناك انقسام فلسطيني حول التعامل مع القضيّة. فريق يضع في مقدمة أولوياته كسب الرأي العام، وآخر يطالب بحقوقه. والحقيقة القاسية هي أن تطوّرات الأحداث عبر السنين، كما الممارسات الخاطئة، أسقطت أية علاقة تكاملية بين كسب الرأي العام وبين المطالبة بالحقوق؛ فما هو قائم الآن: إما كسب الرأي العام على حساب الحقوق، أو المطالبة بالحقوق على حساب الرأي العام.

     فريق كسب الرأي العام الذي تقوده السلطة الفلسطينية، ويؤيده مثقفون فلسطينيون وبعض مراكز البحث والدراسات الفلسطينية والعربية، يشجب المقاومة، المسلحة تحديدا، لعدم وجود تكافؤ في القوّة بين إمكانات الفلسطينيين البدائية، وقدرات إسرائيل العسكرية الهائلة، ولأن إقحام الفلسطينيين أنفسهم في مواجهة عسكرية مع إسرائيل محكوم عليه مسبقاً بالفشل؛ وأن ذلك لا يجر على الشعب الفلسطيني، وكما أثبتت تجارب الانتفاضتين، إلا المزيد من المآسي والدمار؛ وأن المقاومة المسلحة واستهداف المدنيين بالذات تسيء إلى صورة القضية الفلسطينية وعدالتها، وتعزل الرأي العام العالمي المؤيد، وتحوّل الفلسطيني إلى إرهابي. وفي المقابل، يؤدي اللجوء للعنف إلى تكريس العطف العالمي على الإسرائيليين، ويقدّم لحكومتهم المبرر اللازم لمواصلة قمع الفلسطينيين، كونه يضعها في موضع الدفاع عن النفس أمام الخطر "الإرهابي" الفلسطيني.

   سياسة هذا الفريق تحظى بالفعل بمباركة رسمية دولية واسعة، من واشنطن ولندن والاتحاد الأوروبي والرباعية والأمم المتحدة وأمينها العام.

     والعرب، من دول وقطاعات كثيرة أخرى، توصلوا إلى قناعة راسخة بأن السبيل الوحيد للعودة إلى المفاوضات، وتطبيق خارطة الطريق، وقيام دولة فلسطينية، هو التخلي نهائياً عن العنف والمقاومة، لأن ذلك من شأنه أن يطمئن الإسرائيليين ويشجعهم على العودة إلى التفاوض، وهنا يكمن الأمل في تحقيق السلام والاستقرار.

    نتيجة لهذه القناعة، حظي الرئيس محمود عباس، وهو من أبرز دعاة هذا التوجه، بالدعم العالمي الواسع، وفتحت له أبواب البيت الأبيض، وهيئت له فرص النجاح في الانتخابات الرئاسية الفلسطينية، واتهم منافسوه بالعمل على شق الصف الفلسطيني وعرقلة مسيرة الديمقراطية والإصلاح وحتى السلام. عرفات اختار "الإرهاب" ورفض العرض السخي الذي قدّمه له باراك بقيام دولة فلسطينية على 97% من فلسطين وعاصمتها القدس، وعباس الآن يصوّب المسار ويرفض العنف ويقبل بالتفاوض من أجل قيام الدولة.

     أما فريق المطالبة بالحقوق، وليس بالضرورة عن طريق استخدام العنف، فهو الذي يقول إن الرأي العام العالمي جزء مهم جداً في أية معادلة، ولكن السؤال: ما الذي فعله الرأي العام للقضية الفلسطينية؟ وماذا فعلت الأمم المتحدة على مدى 60 سنة؟ هل فرضت على إسرائيل تنفيذ قرار واحد من قراراتها، وهل عاقبتها مرّة واحدة على انتهاكاتها المستمرّة للقانون الدولي؟

     وبحسب هذا الفريق، فإن الفلسطيني لم يحرّك ساكناً لمدة 40 سنة، منذ نكبة العام 1947 وحتى الانتفاضة الأولى العام 1987، بل قبع في مخيماته ومنفاه ينتظر العدالة الدولية التي لم تأت! وبعد 20 سنة من النكبة، جاءت النكسة عام 1967، لتمكن إسرائيل من احتلال ما تبقى من فلسطين، فأقرت العدالة الدولية لإسرائيل بكل ما اغتصبت بالقوّة المسلحة حتى وقوع النكسة، مقابل انسحابها من الضفة الغربية وغزّة، بحسب القرار 242، الذي يناقض ذاته، من حيث أنه من جهة لا يقرّ جواز احتلال أراضي الغير بالقوّة، بينما أجاز لإسرائيل كل ما احتلته بالقوّة زيادة عما أقر به لها قرار التقسيم، ذلك القرار الذي أعطى إسرائيل 56% من أرض فلسطين، بينما أعطاها القـرار 242 حوالي 87% من فلسطين.

    ويرى فريق المطالبة بالحقوق أن القيادة الفلسطينية، باتفاق أوسلو، اعترفت بإسرائيل وتنازلت لها عن 87% من أرض فلسطين، وأوقفت الانتفاضة الأولى، وأنشأت قوّات أمن لتخفف العبء عن قوات الاحتلال الإسرائيلية. ولم يتمخض اتفاق أوسلو إلا عن تحويل الاحتلال من واقع غير شرعي، من ناحية القانون الدولي، إلى واقع مقبول من قبل الممثل الشرعي الوحيد للشعب الفلسطيني، مؤيد دولياً وعربياً. كما أن الاتفاق أعطى الفرصة الآمنة والهادئة لإسرائيل لمواصلة بناء المستوطنات بسرعة هائلة، وخلق حقائق التهويد والاستعمار على كامل أرض فلسطين، تحت مظلّة العملية السلمية والتفاوض العبثي غير محدود الأجل.

     ويقول فريق ترجيح الحقوق على رضا الرأي العام العالمي: إن انفجار العنف بعد فشل مفاوضات كامب ديفيد العام 2000 لم يكن تفضيلاً طوعياً للعنف على بدائل أحسن، كما روّجت الدعاية الإسرائيلية وأشبعت الأجواء بذلك، بل كان نتيجة حتمية لاستمرار الاحتلال، وفشل عملية السلام، واستمرار ممارسات القمع ومصادرة الأراضي والاستئصال العرقي، وتوسيع التهويد والاستعمار الاستيطاني، وخلق الحقائق الجديدة على الأرض كل يوم. ويقولون: إنه عندما يتوفر أي أفق سياسي نحو حل معقول، فإن الحاجة إلى العنف ستنتفي تلقائياً.

    ولكن المطلوب لاسترضاء الرأي العام هو أكثر من مجرّد التخلّي عن العنف ومهاجمة المدنيين والهجمات الانتحارية (تلك الظاهرة التي ألحقت بالفعل ضرراً كبيراً بالموقف الفلسطيني). المطلوب هو التخلي حتى عن المطالبة بالحقوق لفظياً. فقد أصبح من المتعارف عليه أن المطالبة بالحقوق هي ضرب من ضروب التحريض على الإرهاب، وهي مغالاة في التطرّف ومجافاة الواقعية! والمطلوب نسيان التاريخ وعدم الالتفات أبداً إلى الوراء، بل النظر إلى المستقبل الذي سترسمه إسرائيل.

     الحقيقة أن خيار التخلّي عن استخدام العنف هو خيار صحيح، على أن لا يكون ذلك غاية في حد ذاته، وأن لا يكون الهدف الرئيس منه كسب الرأي العام على حساب الحقوق. والبدائل ليست إما العنف أو الاستسلام المطلق لإرادة إسرائيل، المعززة بدعم أميركي وصمت ومحاباة دولية بالغة الخطورة. فالبديل عن العنف يجب أن يكون استراتيجية فلسطينية رصينة، ترفض العنف وترفض في نفس الوقت أي تفاوض في ظل الاحتلال والاستيطان وبناء الجدار وهدم المنازل. ولو كان استرضاء الرأي العام لغاية تجنيده لمؤازرة المطالبة العادلة بالحقوق لاختلف الأمر.

     لماذا لا تقول القيادة الفلسطينية للعواصم المؤثرة وللرأي العام: أوقفنا العنف أكثر من مرّة فهلمّوا لوضع الحل الذي ينسجم مع القانون الدولي ومقتضيات العدالة، وإلا فإن حتميات التاريخ وتفاقم اليأس، حتى لا نقول استفزازات إسرائيل، ستفجّر العنف من جديد؟!

التعليق