ماذا الآن؟ المزيد من أوروبا!

تم نشره في الأربعاء 15 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

   إن رفض دستور الاتحاد الأوروبي من قِـبَـل الناخبين الفرنسيين والهولنديين يجبرنا على التفكير فيما هو أبعد من تلك المعاهدة. ويتبين لنا هذا على نحو أكثر وضوحاً من الحوار الدائر حالياً بشأن ميزانية الوحدة. كما تبين الانتصارات التي حققها المعارضون أن الحجج المبنية على السيادة، والتي تعارض أي نوع من أنواع الوحدة السياسية الأوروبية، قد بدأت مسيرتها. ومما يبدو أن المشككين في أوروبا يكتسبون المزيد من الأرض في كل مكان، وأن نوعاً من رُهاب الأجانب في صعود مستمر.

لكن رُهاب الأجانب لم يكن المحرك الرئيسي للأصوات الرافضة، ويصدق نفس القول على قضية السيادة. ذلك أن الأصوات الرافضة في فرنسا وهولندا، وكذلك الاستياء المتصاعد في دول أخرى من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي -مثل ألمانيا- تأتي كنتيجة لعجز الحكومات الوطنية والاتحاد عن الاستجابة على نحو فعّال لأكثر المشاكل إثارة لاهتمام المواطنين. كما أن رفض الدستور لم يكن من جانب مناهضي أوروبا وحسب.

فالحقيقة أن العديد من الأوروبيين يناشدون الاتحاد الأوروبي أن يعمل على تقليص معدلات البطالة، وأن يتدخل على نحو حاسم في الساحة الدولية. لقد فسر العديد من المحللين الانقسام الداخلي الذي شهدته أوروبا بشأن الحرب في العراق، علاوة على المعارضة الساحقة من جانب المواطنين العاديين للتدخل العسكري، باعتباره علامة على ضعف الاتحاد.

لكن الرد على مثل هذه الشكوك والمخاوف يتمثل في المزيد من التكامل الأوروبي، وليس في الإقلال منه. ويتعين على قمة المجلس الأوروبي التي ستنعقد في الفترة من 16 إلى 17 حزيران، أن تعطي إشارة واضحة إلى إدراكها لهذه الحقيقة.

يرى أغلب المؤيدين للدستور أنه لن يساعد على بناء أوروبا للمواطنين وحسب، بل إنه سيعمل أيضاً على خلق ظروف أفضل للتنمية الاقتصادية الأوروبية، ويقدم الفرصة للاتحاد الأوروبي للتحرك على الصعيد العالمي. وهم محقون في اعتقادهم هذا. فمن الحماقة أن نفترض أن الرفض الفرنسي والهولندي لم يكن بسبب الاستياء من السياسات التي ينتهجها الاتحاد؛ لكن ذلك الغضب كان موجها ضد الحكومتين الفرنسية والهولندية، وليس ضد أوروبا ذاتها.

   والحقيقة أن المواطنين في كل دولة من الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، أصبحوا يدركون على نحو متزايد أن السياسات الوطنية يتم تحديدها بواسطة صانعي القرار على المستوى الأوروبي، والذين لا يملكون عليهم سلطاناً أو تأثيراً. والدستور الأوروبي ذو صلة ضئيلة بهذه الحقيقة. لكن الاستفتاءات العامة لا تقتصر أبداً على الأسئلة الحقيقة المطروحة على المصوتين، بل إنها بدلاً من هذا تقدم للمواطنين الفرصة للتعبير عن مشاعرهم بشأن الخيارات التي تتخذها حكوماتهم، وخاصة داخل إطار الاتحاد الأوروبي.

كانت انتخابات البرلمان الأوروبي التي جرت في عام 2004، قد أظهرت بالفعل أن مستوى الاستياء داخل الاتحاد قد ارتفع على نحو ملحوظ. فقد عاقب الناخبون بشدة كل الحكومات الوطنية تقريباً. ومع ذلك، فلم يتصور أحد أن تلك الانتخابات قد غيرت من مسار أوروبا.

وفوق كل ذلك، فقد أكد الاستفتاءان الفرنسي والهولندي أن الشارع أصبح الآن يتولى صياغة السياسة، وأنه لم يعد من الممكن "بناء" أوروبا من بعيد وخلسة. وهذا يعني أن حكومات الاتحاد الأوروبي لابد وأن تستجيب للمخاوف الشعبية، وأن تجعل الاتحاد أكثر شفافية وأكثر ديمقراطية.

سوف يكون هذا أكثر سهولة ويسراً إذا ما احتل الدستور مكانته المفروضة له، ولكن هناك تدابير يتعين علينا أن نتبناها الآن، لكي نجعل من هذا أمراً ممكناً.

أولاً، لابد من صياغة ميزانية الاتحاد بحيث يكون لها تأثير ملموس على النمو وتشغيل العمالة (الآن هناك عودة إلى تطبيق مبدأ الطوعية، الذي تم تبنيه في اتفاقيات "ديلورز"، على إستراتيجية لشبونة).

ثانياً، يتعين على الحكومات الأوروبية أن تبدي التزاماً حقيقاً نحو العمل الجماعي. وتتبدى لنا فرصة رئيسة في الاحتفال بالذكرى السنوية العاشرة لإعلان برشلونة، تتمثل في اتخاذ موقف مشترك فيما يتصل بدعم التغيير الديمقراطي في منطقة البحر الأبيض المتوسط، من خلال الكف عن دعم الوضع السياسي الراهن هناك.

أخيراً، لابد وأن تكون اجتماعات المجلس مفتوحة حين يتعلق الأمر بمناقشة مسائل تشريعية، بحيث يعرف المواطنون من صوت، ولماذا وطبقاً لأي معايير.

من الممكن أن يتقرر كل هذا أثناء انعقاد المجلس الأوروبي القادم، وحتى قبل التوصل إلى حل للمشكلة الدستورية. مثل هذه التحركات من المرجح أن تعيد قسماً كبيراً من المواطنين المتشككين إلى حظيرة أوروبا، على نحو يفوق قدرة أي حملة معلومات، مهما كانت جيدة التصميم.

في ذات الوقت، من الضروري أن نتوصل إلى حل لتلك الورطة الدستورية. وكما اقترحت المعاهدة بالفعل، فإن هذا يعني الفصل بين القضايا الدستورية في حد ذاتها وبين سياسة الاتحاد. ولسوف نجد إبداعاً حقيقياً في الجزأين الأول والثاني من الدستور المقترح، حين يتحدث عن تعريف الهوية المعيارية والسياسية للاتحاد، وتعريف اختصاصاته، والتوازن المؤسسي الجديد، بما في ذلك إنشاء منصب وزير خارجية لأوروبا، وأخيراً وليس آخراً، تقديم وثيقة حقوق الإنسان.

أما الجزء الذي قوبل بالرفض حقاً، والذي يحرك أغلب المخاوف بين مواطني الدول الأعضاء فهو الجزء الثالث، والذي يركز على سياسات الاتحاد؛ مثل السوق المشتركة، وسياسة المنافسة، والسياسة الزراعية المشتركة. إذن، فالتصديق على الجزأين الأول والثاني أمر جائز دون الحاجة إلى مفاوضات جديدة، ومن الممكن لهذين الجزأين أن يشكلا الأساس للمعاهدة الدستورية الجديدة، بحيث تظل معاهدة نيس سارية، وحتى يستمر الحوار بشأن النموذج الاجتماعي الأوروبي.

   إنه لمن الضروري أيضاً أن نعيد التأكيد على الجوهر المعياري للمعاهدة الدستورية من أجل حماية أعظم منجزاتها. ولسوف يظل الحرص على التنوع والشمولية، من خلال الدمج بين الأنظمة الديمقراطية الأوروبية في مشروع مشترك، يمثل الهدية الأعظم التي تقدمها أوروبا للعالم. وهذا هو ما جعل أوروبا تمثل "صالحاً عاماً عالمياً"، كما قال وزير خارجية البرازيل الأسبق سيلسو لافير في عبارة موفقة رائعة.

إذا ما تحقق هذا، فسوف تكون أوروبا في مكانة أفضل، تسمح لها بالإسهام في تحقيق نظام دولي أكثر عدلاً من ذلك النظام الذي يسعى إليه كارهو الأجانب، والذي يجعل من أوروبا كياناً مريراً ضيق الأفق. ولكي تظل أوروبا بمثابة وعد بالخير لكل العالم، فلابد وأن تزدهر باعتبارها صالحاً عاماً لمواطنيها كافة. ولا ينبغي لأوروبا وأهل أوروبا أن ينتظروا معاهدة جديدة لكي يثبتوا للعالم أن الاتحاد قادر على إنجاز ذلك الوعد.

ألفارو دي فاسكونسيلوز مدير المعهد البرتغالي للدراسات الإستراتيجية والدولية. وعنوان بريده الإلكتروني هو: av@ieei.pt.

خاص بالغد

حقوق النشر: بروجيكت سنديكيت، 2005.

www.project-syndicate.org

 ترجمة: هند علي

التعليق