جميل النمري

"المتشككون"...(2)

تم نشره في الاثنين 13 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

متابعة لمقال أمس حول تآكل المصداقية، نختار عنوانا واحدا، هو النقابات المهنية.. وسوف نوضح لاحقا لماذا؟

تطرق جلالة الملك في خطابه المهم في جامعة شيكاغو ايضا إلى هذا الملف، من بين عناوين أخرى، شارحا ان العضوية في هذه النقابات إلزامية، ولذلك "لا يمكن ان يفرض موقف سياسي حزبي واحد على جميع الاعضاء. ومن الاهمية بمكان للأعضاء، ان تكون هذه المؤسسات  شفافة، خاضعة للمساءلة، تركز جهودها على الاداء".

ولأن قوانين النقابات وآليات عملها قائمة منذ الخمسينات من القرن الماضي، فهي في حاجة فعلا الى اصلاح، يعالج من بين أمور أخرى التفرد والتجيير السياسي.. اصلاح يحقق مشاركة اوسع للقاعدة المهنية، بحيث تمثل كل التلاوين والقطاعات والمصالح. وهذا ما كان ينادي به التيار الديمقراطي في النقابات منذ سنوات.

لكن الحكومات المتعاقبة كانت تنزعج وحسب من الشغب السياسي للنقابات، فتحذر وتنذر ثم تتصالح، ويعود كل شيء الى حاله، حتى جاءت لجان "الاردن اولا"، التي فردت امامها كل قضايا الاصلاح السياسي، فأدرج هذا الملف على أجندتها. وبعد ثلاثة أشهر من الجهد الحثيث، تم التوصل الى صيغة جيّدة لإصلاح نقابي ديمقراطي، لكن اولويات الحكومة كانت قد تغيرت مع اقتراب موعد الانتخابات العام 2003، فطوي الملف!

لكن المناوشات استمرت من حين لآخر، الى ان فاض الكيل في أواخر عمر حكومة فيصل الفايز، فأخرج - بصفة الاستعجال- مشروع قانون جديد للنقابات، وجد معارضة شاملة، وانتهى، بعد نزع صفة الاستعجال عنه، في ادراج مجلس النواب. ولدى الحكومة الحالية من المشاكل ما يغنيها عن اعادته الى السطح.

التفرد المطلق بالقرار يؤدي بالانظمة الدكتاتورية الى كوارث، كما حصل مع نظام صدّام حسين، لكن عندنا -لحسن الحظ- فإن ضيق دائرة القرار يؤدي فقط الى أخطاء، وهي سرعان ما تنكشف، فيحصل ارتباك او تراجع، والنتيجة تعطيل للاصلاح، ومراوحة في المكان.

منذ سنوات ونحن نطالب بإصلاح نقابي، ولا حياة لمن تنادي، حتى اذا حانت الساعة، يأتي القرار مطبوخا في دائرة ضيقة، وبعقلية أمنية لم تجد من يقف معها، بمن في ذلك روّاد الاصلاح النقابي. ومن الغريب ان يؤخذ بتوليفة مركبة من حسابات ضيقة، لا يمكن لأي مراقب الا ان يرى فيها تدميرا لأعرق مؤسسات المجتمع المدني، بينما المقترحات المعتدلة الحريصة، التي تحقق اصلاحا جوهريا ومشاركة ديمقراطية واسعة، تهمل!

ماذا يتبقى من مصداقية للخطاب الاصلاحي الرسمي والحالة هذه؟!

اخترنا النقابات المهنية نموذجا لأنها مؤسسات مدنية مستقلّة، لا يكلف الاصلاح فيها تنازلا عن أية سلطات أو صلاحيات لمن هم في مواقع القرار. لكن كمؤسسات عريقة، فإن الإصلاح فيها لا يمرّ ويتغلب على معارضة التيار الاسلامي وحلفائه الا اذا كان ديمقراطيا، شفّافا، وتقدميا، ولذلك فهو يتعثّر هنا أيضا!!

التعليق