د.باسم الطويسي

الإقصاء والممانعة: إعادة تعريف علمانية الدولة

تم نشره في الأحد 12 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

     تواصلت خلال الأسابيع الماضية حوارات عربية، خجولة أحيانا، حول شرعية ممانعة بعض الأنظمة السياسية العربية الترخيص لأحزاب دينية، او إقصاء أحزاب وحركات إسلامية بحد ذاتها عن الحراك السياسي المحلي في هذا البلد او ذاك، تحت عنوان حزب او حركة سياسية محظورة، على الرغم من محاولات بعض هذه التيارات التمأسس داخل منظمات سياسية، ومن خلال القوانين المعمول بها. وقد تنال هذه الممانعة أيضا حركات سياسية ذات سمات اثنية او ثقافية خاصة.

     تبرر هذه الوقائع الماثلة اليوم ضرورة إدارة عجلة الإصلاح نحو قضايا مركزية تقليدية، بصيغ جديدة، تتطلب إعادة معالجتها في الخطاب السياسي والممارسة معا، وأهمها إعادة النظر في مفهومي الدولة والعلمانية، في طريق البحث عن إصلاح سياسي محلي، يقود الى الدولة الديمقراطية المنشودة، ضمن محددات مجال سياسي عربي إسلامي، حيث يبرز ضعف الاشتغال على مفهوم الدولة، وضعف الوعي بقيمتها وقيمها.

    وابسط معالم هذا الفوات في الفكر والممارسة أن هوية الدولة في المجال السياسي العربي، منذ مئة عام، لم تحسم بعد بين دولة قطرية او دولة وطنية او دولة قومية او دينية؛ بمعنى أننا لم نصل الى الوعي بالدولة الذي أنجزته مجتمعات أخرى بوقت أقل، وفي جهات متعددة من العالم، واستوعب تعدد الهويات وتنوعها، في الوقت الذي تختلف فيه نظرة القوى العلمانية، التقليدية والجديدة، باختلاف أصولها ومرجعياتها لمفهوم الدولة فيما بينها، على اختلافها القوى والحركات الإسلامية.

    المنظرون لمشاريع الإصلاح السياسي في العالم العربي أمامهم مهمة عاجلة وتاريخية، تقتضي الالتفات الى حقيقة أن العرب ما زالوا يقفون على مسافة بعيدة من المفهوم المعاصر للدولة، في الوعي والممارسة. بل إن فكرة الدولة في الوعي العربي ما تزال هشة، ولا تملك حضورها في الوعي والوجدان والضمير الجمعي للناس، لانهم باختصار لم يعتادوا أن يلمسوا آثارها في الحياة العامة، التي تتغول فيها السلطة على المجتمع والدولة.

    المشكلة الأساسية التي تعبر عن عجز الدولة العربية المعاصرة وضعفها، تبدو في افتقادها للشرعية. فما تزال منذ قرابة قرن في انتظار صياغة هذه الشرعية. ومصدر الخلل في الشرعية ليس كما حاول الخطاب السياسي العربي، لعقود مضت، تصويره للناس والمثقفين، بإحالة الشرعية المفقودة إلى غياب الدولة القومية تارة، او غياب الدولة الدينية تارة أخرى. بكل بساطة، مصدر الشرعية هو الناس، المواطنون الذين لم يعرفوا مفهوم المواطنة، حينما عجزت النظم السائدة عن إضفاء الشعور بالمواطنة على سلوك مواطنيها، وبالتالي الشعور بالولاء والانتماء الجماعي، وهي أم المشاكل، التي ترتبط في معظم الحالات بتاريخ نموذج الدولة السائدة، وفي فقر عمقها السياسي، نتيجة العجز عن ان تكون دولة لكل مواطنيها، وجذرت في المقابل، منظومات من قيم الجبر والاستبداد والإقصاء والممانعة والخير الخاص.

    وتزداد خطورة أزمة الدولة العربية الهشة في كونها دولة ريعية، معالة من الخارج. ويتعقد هذا الجانب من المشكلة عندما نبحث في شرعية الحديث عن دولة ديمقراطية في ظل اقتصاد تابع. وفي المقابل، يطرح السؤال حول معايير تحديد التبعية في عالم اليوم، الذي يزداد فيه، يوما بعد يوم، الاعتماد المتبادل بين اقتصادات الدول؟

    المشكلة الأهم من ذلك في إطار إصلاح الدولة، وهي مهمة عاجلة ومطروحة على مائدة المراجعات النقدية، وتتلخص بإعادة النظر بالمفهوم السائد للعلمانية، وعدم الاكتفاء بالإحالة الى النظريات الغربية التقليدية. إن الإصلاح السياسي العربي بأمس الحاجة الى إعادة بناء الفهم للدولة العلمانية في إطار المجال السياسي العربي الإسلامي، وعلى أساس كونها أداة لتنظيم وترشيد وعقلنة الصراع والمنافسة والجدل السياسي، وأداة تقبل كل الفرقاء، وتضمن استمرارية قواعد اللعبة وعدم انتهاكها او نسفها. فإلغاء فكرة الحزبية الدينية، التي يروج لها في أكثر من بلد عربي واسلامي هذه الأيام، لا يخدم منهج العلمانية، ويعبر عن عجز الدولة عن القيام بوظائفها.

   يجب أن نفهم العلمانية على أساس أنها لا تعني حرمان عقيدة، او منظومة فكرية، او تيار ديني، من فرصة وحق المنافسة والعمل السياسي. بل إن الدولة هي المعنية بأن توفر وتضمن وتراقب أن يتحول أصحاب هذه العقيدة الى تيار او حزب ديمقراطي، يؤمن بالديمقراطية، ويسعى من خلالها الى السلطة، ويقبل بمغادرتها بذات القواعد والقيم التي أوصلته، والتي تقع مهمة حراستها وصونها على الدولة.

    في الحالات التي ترفض فيها الدولة قيام أحزاب وتنظيمات دينية، فهي في الحقيقة تعبر بلسان السلطة وليس بلسان الدولة المعاصرة. إنها حالة من ضعف الدولة وتآكلها تحت وطأة سيطرة السلطة ونفوذها، وهذا يفترض بناء الفهم الجديد للدولة العلمانية، التي لا تعني فصل الدين عن الدولة، بل التمييز بين السلطة والدولة، وتجديد الفواصل بين أدوارهما ووظائفها. فالدولة فوق السلطة، لكن الدولة هي المعنية بتوفير قواعد إجرائية لضبط تداول السلطة وضبط ممارستها. وتبدأ أبجديات هذا الفهم ببناء دولة القانون، بمعنى أن الدولة حارسة القانون، وتعمل على مراقبة تطبيقيه، وليس من أدوارها ممارسة السياسة.

    إن تأسيس هذا الفهم للدولة في الوعي العربي المعاصر، ومأسسته بالقانون، هو أحد المداخل الأساسية للإصلاح السياسي الشامل من جهة، وهو، من جهة أخرى، المدخل الحقيقي لاستيعاب التيار التاريخي للحركة الإسلامية المعاصرة، وتحويله الى حركات وتيارات سياسية ديمقراطية، تسعى وتراهن على لحظة وصولها الى السلطة لتنفيذ برامجها، بينما تسلم بالقيم الكبرى للدولة، باعتبارها الرمز الحضاري، وربما المقدس الذي يجب أن يلتقي حوله جميع أطراف العمل السياسي في المجتمع، وإلا ستبقى الدولة الراهنة مجرد أداة هشة وغامضة، تختفي خلف السلطة، وستبقى الحركات الإسلامية مثل غيرها، تسعى للاستحواذ عليها من اجل تحقيق التغيير الاجتماعي والثقافي الذي تريده.

    انها مرحلة طفولة السلطة؛ فكل من يستحوذ على الدولة يرفض مغادرتها، واذا اجبر على ذلك فإنه سيعمل على تحطيمها.  

التعليق