"الحرس القديم" و"العقلية القديمة"

تم نشره في الأحد 12 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

    انتهى المؤتمر القطري لحزب البعث الحاكم في سورية بطريقة تدعو الى التساؤل: هل كان ضرورياً عقد مثل هذا المؤتمر، أم ان أفضل تسمية كان يمكن اطلاقها على الحدث، الذي انتظره كثيرون بفارغ الصبر، هي: مؤتمر اللامؤتمر؟ متى نظرنا الى النتائج التي توصل اليها المؤتمر، نكتشف انه لا يقدم ولا يؤخر. اذ لم تكن هناك حاجة الى مؤتمر للتخلص من "الحرس القديم"، من أمثال عبدالحليم خدام أو مصطفى طلاس. كان كافياً ان يقدم من على شاكلتهما استقالته، وان يجري اعداد جيد للمؤتمر بما يؤكد ان هناك نية حقيقية للتغيير. وبكلام أوضح، لم يكن مطلوباً التخلص من "الحرس القديم" من أجل تبرير المحافظة على الدور "الأساسي" لحزب البعث، بمقدار ما انه كان مطلوباً التخلص من "العقلية القديمة" التي تحكمت بأقدار البلد، فحرمته من أي تقدم على أي صعيد طوال ما يزيد على أربعة عقود.

    انها العقلية التي سادت مؤتمر البعث السوري، الذي لم يشهد أي اختراق يمكن وضعه في سلة الايجابيات. على العكس من ذلك، اذا نظرنا الى الطريقة التي تعاطف بها عبدالحليم خدام مع الوضع اللبناني، مقارنة بالطريقة التي تعاطى بها الذين خلفوه في حمل الملف، وجدنا ان ممارسات خدام، على الرغم من كل مساوئها وسلبياتها، تظل أفضل بكثير من تلك التي اعتمدها الذين خلفوه. كان خدام على الأقل يعرف من هو رفيق الحريري، ويتذكر ان رفيق الحريري خدم سورية ولبنان وكل القضايا العربية، منذ اليوم الأول لاضطلاعه بمسؤوليات سياسية، أي منذ زار دمشق في العام 1982، مبعوثاً للملك فهد بن عبدالعزيز، لمعالجة الأوضاع في ضوء الاجتياح الإسرائيلي للبنان.

    أما الذين تعاطوا في الملف اللبناني بعد سحبه من خدام، فقد تبين انهم لا يريدون معرفة شيء عن تاريخ رفيق الحريري أو الخدمات التي قدمها. أرادوا بكل بساطة حصر تاريخ العلاقة بين رفيق الحريري والحكم السوري في السنوات الأربع او الخمس الأخيرة، أي في مرحلة ما بعد غياب الرئيس حافظ الأسد.

     الخوف كل الخوف أن يكون مؤتمر البعث قفزة الى خلف، خصوصاً ان ليس ما يشير الى نية حقيقية للاستفادة من دروس الماضي، أكان ذلك على الصعيد السياسي أو الاقتصادي أو على صعيد ما آلت اليه الأوضاع في لبنان، الذي خرج منه الجيش السوري دون ما يشير الى أن الأجهزة الأمنية السورية خرجت فعلاً.

    يوفر لبنان فرصة لا تعوض كي يعيد النظام في سورية النظر في سياساته على كل صعيد. فإذا كان من إصلاح اقتصادي، لا يمكن الحديث عن مثل هذا الإصلاح اذا تجاهل رجال النظام - كل رجال النظام- تجربة لبنان. ولا مجال لخروج سورية من عزلتها السياسية من دون إعادة نظر في العمق في العلاقة مع لبنان، ومن دون عملية نقد ذاتي تؤدي إلى الاعتراف بالأخطاء القاتلة التي ارتكبها النظام بحق سورية ولبنان وبحق شعبي البلدين.

     في النهاية، كيف يمكن لنظام تفويت كل الفرص التي أتيحت له من أجل الانتهاء من الاحتلال الإسرائيلي؟ وكيف يمكن لنظام أن يعتبر ان مجرد الاحتفاظ بلبنان رهينة يغنيه عن الاقدام على أي خطوة ايجابية، تفتح له أبواب الانخراط في اللعبة السياسية، التي تغيرت قواعدها منذ انتهاء الحرب الباردة بطريقة جذرية، وفي الدورة الاقتصادية العالمية التي لا بد من توافر شروط معينة للدخول فيها؟ كيف يمكن لنظام عربي ما أن يعتقد أن "حزب الله" ورقة، و"حماس" ورقة، و"الجهاد الإسلامي" ورقة، و"القيادة العامة" وما شابهها ورقة؟ في حين أنها عبء حقيقي على كل من يعتقد ذلك، خصوصاً انها تنظيمات لا علاقة لها بالمستقبل بأي شكل من الأشكال. انها تنظيمات من الماضي ومن عالم آخر، لا أكثر ولا أقل.

    كان مطلوباً من البعث السوري البحث عن عقلية جديدة، وعن تفكير جديد، بغض النظر عن الإبقاء على رجال "الحرس القديم" أو صرفهم من الخدمة. والمدخل للعقلية الجديدة وللتفكير الجديد كان يمكن أن يكون لبنان، والتكفير عن الجرائم التي ارتكبت في لبنان. كان مفترضاً البحث جدياً في الأسباب التي جعلت سورية ترتكب الخطأ تلو الخطأ في لبنان. والواضح ان الأخطاء السورية لم تكن مرتبطة بعقلية اعتبرت ان الحل بالتخلص من مروان حمادة ومن رفيق الحريري ومن باسل فليحان ومن سمير قصير وحسب، بل بعقلية لا تزال تصر أيضاً على ان الحقد على لبنان يمكن أن يكون سياسة، وأن هذا الحقد سيعيد سورية الى لبنان، وان بالإمكان التلاعب باللبنانيين، بدليل ان ميشال عون تحول أداة سورية ليس إلا! فميشال عون ليس سوى ظاهرة مرضية قد تنتهي غداً او بعد غد، لا فارق، حتى لو استطاع دخول مجلس النواب.

     متى يكتشف النظام السوري أن الحقد ليس سياسة؟ وأن ما يظنها أوراقاً في يده ليست سوى أوراق ضده؟ متى انعقد مؤتمر لحزب البعث السوري انطلاقاً من هذا السؤال، يصبح بالإمكان القول ان التخلص من "الحرس القديم" أفاد في شيء، وانه كان خطوة على طريق قيام عقلية جديدة، وليست خطوة على طريق التخلص من القديم واستبداله بما هو أسوأ منه.

التعليق