حيرة جماعية

تم نشره في الأحد 12 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

أعاد حديث جلالة الملك عن قرب انعقاد الدورة الاستثنائية في نهاية حزيران او بداية الشهر القادم، اعاد الحيوية الى قضية نواب مذكرة الحجب والحكومة الجديدة، بعدما تبين ان حديث رئيس الوزراء الصحفي بأن الدورة في ايلول لم يكن خبراً، بل كان خياراً او ربما امنية. وعاد هذا الملف ليأخذ مكانه السياسي، بخاصة وانه سيكون الابرز على جدول لقاءات الملك القادمة مع اعضاء مجلس النواب.

من الواضح ان مهمة الدولة، بكل مفرداتها، مساعدة الحكومة على ان تتحول الى حكومة تحظى بثقة المجلس. فاللقاءات التي يقوم بها وزير البلاط مع عدد من النواب تأتي في سياق السعي لانقاذ الحكومة، التي مازالت في مرحلة الخداج وتحت العناية المركزة، من ورطة وازمة سياسية. وبدلاً من ان تمارس الدور المناط بالحكومات، وهو حمل اعباء ادارة الدولة، فقد اصبحت الحكومة من الاعباء التي تحملها مؤسسة الحكم.

لكن الصورة العامة ترسم معالم حيرة جماعية لدى كل الاطراف. فالنواب الحاجبون للثقة يدركون انهم مقبلون على اختبار كبير لتماسكهم ومصداقية موقفهم؛ فهم مقبلون على مرحلة قد يكون الطلب منهم مباشراً بأن يعطوا الحكومة فرصة للعمل، وربما يتم تحميلهم مسؤولية ما يترتب على سقوط الحكومة، او حتى ترنحها في مجلس النواب. وسيقف نواب المذكرة، مجموعة او فرادى امام موقف محير، بين ان يستمروا في موقفهم والحفاظ على مصداقيتهم السياسية والشعبية، وبين الحفاظ على علاقتهم الايجابية مع الدولة. وربما يفكر الكثيرون منهم، محتارين، فيما سيقولون لجلالة الملك، ليس في نقد الحكومة، بل في الموقف النهائي.

والحكومة في حيرة ايضاً. وعندما نطق الرئيس بشهر ايلول كموعد للثقة، فإنه كان يعبر عن أمانيه بأن تعطى الحكومة عدة اشهر من الحياة قبل ان تواجه الايام الصعبة، او ربما لقناعة بأن مرور الأشهر قد يفكك تماسك موقف النواب الحاجبين. فالحكومة حائرة بين الهروب الى الامام، وبين مواجهة قريبة قد لا تكون بعض نتائجها مضمونة، فكل صاحب توقيع له حساباته ومعادلاته.

والسلطة التنفيذية في حيرة لانها بين خيارين صعبين؛ الاول، ان تترك الحكومة تواجه مصيرها بكل خياراته المرة، بما فيها عدم الحصول على الثقة. أما الثاني فهو ان تضع كل ثقلها لاقناع اكثر من 40% من المجلس بالتنازل عن موقفه، لانقاذ الحكومة. وهي حيرة كبيرة، وتختلف عن معارك الثقة التي خاضتها الحكومات السابقة، حيث المعارضة التقليدية، وعمليات ارضاء واسترضاء للنواب، مع قليل من الصبر على نقد او ما هو اكثر منه في الخطابات.

اما غير الموقعين من النواب، بمن فيهم المعارضة المتكررة، فإنهم يتمنون ان يؤدي تدخل السلطة التنفيذية الى تفكيك كتلة الحجب، حتى يثبتوا لانفسهم بعض مبررات حيادهم، بأن الموقعين لن يصمدوا ولا يمكن المراهنة عليهم، فسقوط الحكومة على ايدي غير المعارضين التقليديين يكسر احتكارهم السياسي لهذا الموقف، بل نسمع احياناً من بعض رموز المعارضة طلباً للتهدئة، ونقداً لحجب مسبق عن اي حكومة. لكن خيار غير الموقعين صعب اذا صمد الحاجبون او معظمهم، او اذا ظهر للناس جدية هذه المجموعة النيابية وقدرتها على كسر احتكار البعض للموقف الرافض.

حيرة جماعية وايام حاسمة ستمتد حتى عقد الدورة الاستثنائية. وربما يكون الخيار الديمقراطي، والرغبة بتقديم نموذج اردني متقدم في الديمقراطية، تستدعي ترك الامور تسير كما هي، حتى لو كان الثمن ذهاب الحكومة. وهو ثمن كبير في اللحظة الاولى، لكنه قد يقلب بعض معادلات الحياة السياسية، وربما يكون مصدر قوة للحكومة التي تخلفها. فهذه الحكومة، حتى لو حصلت على الثقة النيابية، فإنها ثقة بـ"الواسطة"، وليست بجهدها وقدراتها السياسية.

التعليق