شارون.. السلام يعني إملاء إرادة إسرائيل

تم نشره في الأربعاء 8 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

آرئيل شارون، رئيس الوزراء الإسرائيلي، رجل أفعال وليس رجل أقوال. وهكذا، وحين تأتي واحدة من تلك المناسبات النادرة التي يكشف فيها عن مراميه السياسية، فإن من الضروري إعارة الكثير من الانتباه لكل كلمة يقولها، والتأمل فيها بعمق.

ولعل من المناسب القول بأنه قد باح خلال زيارته الأخيرة للولايات المتحدة، وأمام جماعة من المانحين اليهود، عن الكيفية التي يقرأ بها تطورات الأوضاع بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية. وقد كشف شارون في تلك المناسبة عن خطة لم يكن قد تحدث عنها بعد في إسرائيل، على الأقل في اجتماع عام وعلى الملأ.

قال شارون: "لن تكون هناك مفاوضات مع الفلسطينيين بخصوص القدس أو الكتل الاستيطانية في كل من مستوطنات آرئيل ومعاليه أدوميم وغوش عصيون. بل ستظل هذه المستوطنات كلية تحت السيادة الإسرائيلية وضمن منطقة متصلة". وتكشف هذه العبارة الصريحة عن شيئين في الوقت نفسه، إذ تكشف عن المنهج الذي ينوي رئيس الوزراء انتهاجه، إضافة إلى عنصر حاسم يشي بطبيعة الجوهر الذي تنطوي عليه خططه.

فيما يخص المنهج، يبين شارون بوضوح نيته تكرار المنهج الأحادي الجانب الذي تبناه فيما يتعلق بالانسحاب الإسرائيلي المزمع من غزة. وبكلمات أخرى، فإن إسرائيل لا تخطط لبحث اثنين من أهم العناصر التي ينطوي عليها واقع الاحتلال، وهما موضوع القدس الشرقية، وموضوع الكتل الاستيطانية الكبيرة. وستقوم إسرائيل، تبعاً لذلك، بإملاء خططها على الفلسطينيين. وبهذا، فإن السلام، وفق هذا المنطق الميكيافيللي، سيتحقق عندما يملي القوي إرادته على الضعيف.

أما الأمر الذي لا يقل أهمية وخطورة فهو الجوهر، خاصة الكلمتين اللتين ضمنهما شارون في تصريحه، وهما بالتحديد كلمتا "منطقة متصلة". هذه العبارة التي تبدو رقيقة ومخففة تستحق الكثير من العناية والملاحظة، ذلك أن محاولة خلق منطقة متصلة من الكتل الاستيطانية اليهودية إنما تشكل المكافئ الموضوعي لإعلان الحرب.

إسمحوا لي بشرح الفكرة. إن مستوطنة آرئيل مستوطنة كبيرة، تقع في قلب الجزء الشمالي من الضفة الغربية. أما مستوطنة معاليه أدوميم، فتقع على بعد حوالي ثلاثين كيلو متراً إلى الجنوب الشرقي من مستوطنة آرئيل، بينما تقع مستوطنة غوش عصيون على بعد عشرين كيلو متراً إلى الجنوب الغربي من معاليه أدوميم، وهي تقع في الجزء الجنوبي من الضفة الغربية. ويعني وصل هذه الكتل الاستيطانية الثلاث أن المنطقة التي ينوي شارون تقديمها للفلسطينيين لن تكون متصلة (إلا ربما ببناء الأنفاق!)، وبأن إسرائيل تخطط لضم وإلحاق أجزاء أخرى من الدولة الفلسطينية المزمع إنشاؤها، والتي لا تشكل في الأصل أكثر من كيان متناهي الصغر (حيث تبلغ مساحتها ما نسبته 22% من مساحة فلسطين يوم كانت تحت الانتداب).

ليس ثمة قائد فلسطيني يمكن له القبول بمثل هذا الحل. لكن، وبما أن المفاوضات ليست مدرجة على أجندة شارون، على الأقل فيما يخص هذه القضايا بالغة الحيوية،  فإن الموقف الفلسطيني يبدو برمته وكأنما هو خارج السياق.

الحصيلة التي يمكن أن تنجم عن مثل هذا التحرك ستكون مدمرة. فعلى العكس من انسحاب إسرائيل من غزة، والذي أيدته كل الفصائل السياسية الفلسطينية بما فيها حماس، فإن خطة شارون الخاصة بالضفة الغربية ستكون مرفوضة بالإجماع. وأغلب الظن أن المقاومة سوف تتصاعد، وأن العنف الدموي سيعاود دورته، ولكن بمقدار أكبر من الرغبة في الثأر هذه المرة.

خاص بالغد

خدمة كي آر تي الصحفية

التعليق