التمويل الأجنبي وحماية الوطن

تم نشره في السبت 4 حزيران / يونيو 2005. 03:00 صباحاً

    يعبر البيان الذي صدر عن اللجنة العليا لحماية الوطن، والمنبثقة عن قوى معارضة وإسلامية، والذي انتقدت فيه قضية التمويل الأجنبي للمنظمات الأهلية في الأردن، يعبر عن ضيق أفق هذه المجموعات، وعدم فهمها للدور التقدمي والتنموي الذي تلعبه هذه المنظمات الأهلية في الأردن وغيره من دول العالم الثالث.

    وتأسيسا على ذلك، فالبيان يعبر عن إفلاس القوى الموقعة عليه من ناحية تقديم برامج إصلاحية، أو حتى طرح بديل لكيفية تفعيل دور هذه المنظمات، والاستمرار بدورها في تنوير المجتمع الأردني بدلا من التضليل الممنهج، والهجوم عليها ومحاولة وأدها.

    في هجومه على قضية التمويل الأجنبي، ساق البيان حججا واهية، وصلت الى حد تخوين القائمين على هذه المنظمات! إذ حذر البيان من ان التمويل الأجنبي هو أداة جديدة من أدوات السيطرة على المجتمعات وعلى العقل العربي. وبالتالي، فإن البيان يفترض بأن القائمين على هذه المنظمات هم متعاونون مع قوى خارجية تتربص بالأردن، مع أنهم (القائمون على هذه المنظمات) أردنيون، ولا يقلون في وطنيتهم وتفانيهم للأردن عن أي فرد آخر. والفرق بينهم وبين من أصدروا البيان أنهم يعملون من أجل تغيير الواقع، ولا يكتفون بالصوت العالي الخالي من أي مضمون واقعي.

    لا يمكن النظر الى البيان إلا كنوع من الإرهاب الثقافي والإكراه الفكري غير المسبوق. والمفارقة هي أن بعض الاحزاب التي شاركت في البيان كانت تتلقى تمويلا من دول عربية، ناصبت الأردن العداء لعقود من الزمن!

    واعتبر البيان أن التمويل نوع من التطبيع الثقافي والاقتصادي والاجتماعي، وهذا كلام لا يقبله إلا المنغلقون على أنفسهم، والذين لم يسمعوا بعد أن العالم تحول الى قرية كونية، بحيث لم يعد لحديث من هذا النوع أية صلة بما يجري كونيا.

   لا أعرف ما المقصود بالتطبيع، ومع من؟! نتفهم موقف بعض القوى ضد التطبيع مع إسرائيل، مع اختلافنا معهم حول ماهية التطبيع، لكن كيف يكون تمويل الحكومة الألمانية، مثلا، لاحدى المنظمات الأهلية تطبيعا؟! هل المطلوب قطع صلات الأردن مع العالم الخارجي حتى ترضى القوى الأيديولوجية التي تعيش أزمة عدم القدرة على مواكبة العصر؟! والحديث عن أن التمويل هو تكتيك أميركي وصهيوني مثير للشفقة، وينطوي على عدم قدرة على رؤية الأمور. فعندما تقوم الحكومة اليابانية، مثلا، بتمويل أحد المشاريع البحثية التي تعالج حاجاتنا المحلية، فمع من يكون التطبيع وما الخطأ في ذلك؟! وهل المطلوب أن نطبع مع حركة طالبان المخلوعة؟! ولماذا لا تقاطع هذه القوى النشاطات التي تقوم بها هذه المنظمات؟! وقد ذكر الكاتب والزميل عريب الرنتاوي في الزملية الدستور، ان هؤلاء يشاركون في نشاطات ممولة أجنبيا، ويطلبون أوراق العمل إن وجدت. أفلا ينطوي ذلك على إزدواجية واضحة؟!

    بقي أن نقول أن المعركة الحقيقية في العالم العربي هي مع الجهل والانغلاق. ولا يمكن للدول العربية أن تحقق نقلة نوعية دون الانتصار على الجهل والتضليل والخرافات، التي ما زالت هي المكوّن الاساسي الفكري لعدد غير قليل من النخب الفكرية، التي تحاول فرض آرائها باللجوء الى اساليب تخوينية وضعيفة، وتنصب نفسها حاكما أخلاقيا على سلوك الآخرين، الذين لا يخالفون، في الواقع، الدستور والقانون في الأردن.

التعليق