قصة انتخابات هي،بالاحرى، إحصاء سيئ

تم نشره في الثلاثاء 31 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

     تميزت الدولة في ايران، منذ احكم اية الله الخميني قبضته عليها اواخر السبعينيات، بعدد متلاحق من الانتخابات، الرئاسية والبرلمانية والمحلية. واذا صح ان سيد الثورة كان في البداية معارضاً مبدأ الانتخابات، ويعتبره مناقضاً لـ"ولاية الفقيه"، فقد اقنعه الرعيل المدني الاول من شركائه الصغار في الحكم، بعكس ذلك. وهو ما بدا بمثابة الاستثناء الذي يؤكد القاعدة: ذاك ان الخميني، المشهور بعناده ونزعته الاستئثارية، لم يكن ممن يقتنعون برأي غير رأيه، ناهيك عما يصادم رأيه وينافيه. وفي آخر المطاف، ما فكرة "ولاية الفقيه"، التي عارضها بعض كبار المراجع الدينيين، كآية الله شريعتمداري، الا وسيلة لاسباغ القداسة على ما يجول في رأسه.

       فكيف، والحال هذه، اقتنع الزعيم الكهل بما ذهب اليه رجالات غير معممين، درسوا في الغرب؛ كرئيس الحكومة الاول المهدي بازركان، ورئيس الجمهورية الاول ابو الحسن بني صدر، ورموز آخرين عاشوا في الولايات المتحدة، مثل صادق قطب زاده وابراهيم يزدي.

        حقيقة الامر ان ما ضمن اقرار المرجع الاعلى بالمبدأ الانتخابي يمكن رده الى اسباب عدة، ربما كان اهمها اربعة:

فأولاً، تولت نظرية "ولاية الفقيه" نفسها الحد من مفاعيل العملية الانتخابية. ذاك انه كائنة ما كانت النتيجة التي تسفر عنها الادارة الشعبية تبقى السلطة الفعلية في ايدي رجال الدين، لا سيما المرشد الاعلى والولي الفقيه الذي يمثل الامام الثاني عشر ابان "غيبته".

وثانياً، يستطيع الاخذ بالمبدأ الانتخابي ان يوفر نوعاً من الاستمرارية الظاهرية التي تربط الثورة بالتقليد الوطني الايراني، وتسبغ عليها شرعيته. ومعروف ان هذا الاخير انما ابتدأ في غرة القرن العشرين، بما سمي الثورة "المشروطية" او الدستورية، المناهضة للاستبداد والحكم المطلق القاجاريين.

       وثالثاً، يسعى الضجيج والغبار الانتخابيين إلى مداعبة النرجسية الوطنية الايرانية في تباهيها على جوارها العربي، المحجم انذاك عن كل حياة سياسية وانتخابية. ولا يغيب عن البال ان جرعة متخمة من الوطنية الشوفينية اقامت دائماً في الاسلام الاصولي الايراني.

ورابعاً واخيراً، وما دام ان الانتخابات لن تقوى على تغيير السلطة فعلياً، فلا بأس بهذا الحراك الشكلي، الذي يلهي المجتمع عن همومه الفعلية، من اقتصادية وتعليمية وغيرها.

وقصارى القول ان المؤسسة الانتخابية وجدت موطئ قدم لها في ايران الجمهورية، وهو ما بالغ الاسلاميون الراديكاليون والمتعاطفون مع طهران في وصفه بالديمقراطية المثلى. غير ان العوامل المذكورة اعلاه بدت كافية لإبقاء الانتخابات كائناً "يعوي ولا يعض". ففي موازاة التوجه هذا، صفيت الاحزاب المعارضة تباعاً. فابتدئ بالتنظيمات الكردية، تلاها فدائيو خلق، ثم مجاهدو خلق، فحزب تودة الشيوعي. واستمر المنحى الاستئصالي يعمل بهمة لا تفتر، فامتدت شفرته الى اعناق الرعيل المدني الاول الذي احاط بالخميني. هكذا تهاوى بازركان، وهرب بني صدر، واعدم قطب زاده، وعاد يزدي ادراجه الى الولايات المتحدة.

ولئن اطلق النظام الجديد بعيد ولادته، المناخ الصالح لسلوك كهذا، عبر الاستيلاء على السفارة الاميركية في طهران، فقد وفر صدام حسين له مناخاً اصلح. فهو، بحربه على ايرن، اهدى ايات الله الفرصة النموذجية للتعبئة واحكام قبضة القمع الصارم، بذريعة مقاومة "الشياطين" ومؤامراتهم. وربما فاق ذلك اهمية، على المدى البعيد، ان النظام لم يتكاسل، منذ ايامه الاولى، في ابتكار الاليات التي تنقي المشاركة السياسية، وتغربل الطامحين فيها. فبموجب الدستور، انشئ مبكراً "مجلس صيانة الدستور"، الذي يحدد من الذين يحق لهم الترشح، ومن الذين لا يحق. وغني عن القول ان المعيار الذي كان، ولا يزال، يملي الاحكام هو مدى الولاء الذي يكنه المرشح للسلطة، رموزاً وايديولوجية ومصالح.

وفي ظل سقف منخفض كهذا، ابدى المجتمع الايراني، عبر الانتخابات، حيوية فائضة. الا انها جهد مجاني اقترب الى الكد، لادخال ملايين الخيطان في ثقب ابرة. هكذا استمرت الامور حتى كان العام 1997، حين تضافرت الازمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة، والارتباك الذي ساد السنوات التالية لرحيل الخميني وانتهاء الحرب مع العراق، والجو الدولي المنفرج ابان ولايتي الرئيس الاميركي السابق بيل كلينتون. وعن التمخض المتعدد المصادر هذا ولدت رئاسة محمد خاتمي، محمولة على أجنحة امال مضخمة. بيد ان الرئيس الجديد، الموصوف بالاصلاحية، سريعاً ما اصطدم بالبنية المغلقة لسلطة تهيمن على معظم النشاط الاقتصادي، وتحتكر الاعلام، وتمسك طبعا بالجيش، او بالاحرى الجيوش المتوازية. وتبدو، بالتالي، ان نتيجة تلك الانتخابات لن تغير الوظيفة التي كان النظام قد عينها اصلاً للممارسة الانتخابية. ولم يعد ينقص الا اندفاع الامور الى الاسوأ، مع وصول جورج بوش الى السلطة، ومن ثم مأساة 11 ايلول. فقد تعاظمت الصعوبات التي يواجهها خاتمي، من دون ان يتمكن التعاون مع واشنطن في الحرب الافغانية من تبييض لوحة العلاقات القاتمة التي تربط طهران بها. وقبل ان تتفجر المسألة النووية فتزيد اللوحة قتامة، كانت جلافة الادارة الاميركية تجعل من المعتدل متطرفاً، ومن المتطرف مجنوناً.

       والحق ان تكوين خاتمي الرخو والهش، وصدوره هو ذاته عن المؤسسة الدينية الحاكمة، حالا بينه وبين قدرته على انتزاع سلطة فعلية لنفسه. وقد انتهى الامر به، في اخر المطاف، اشبه بمثقف تستعرضه السلطة في المؤتمرات الثقافية والمهرجانات الرياضية، فيما تمضي في اعتقال مناصريه، وتعطيل الصحف، ومحاصرة المثقفين والاصلاحيين، واجدة ذريعتها في السياسات الاميركية. وتدريجياً، انما سريعاً، تبدي ان تلك السنونوة الشاردة ليست ربيعاً. ففي مواسم الجد، غلب الطبع الخميني التطبع الخاتمي، وساد الاحباط والعزوف في بيئة الحالمين بالتغيير.

         وبين ارتباك احدثه الوجود الاميركي في الجوار العراقي، وارتياح وفره ارتفاع عائدات النفط بسبب الحرب، كما بسبب تزايد الطلب من الصين وغيرها، شقت طهران طريقها الى ما بعد الخاتمية. لكن المأساة تكشفت في طورها الجديد عن مهزلة؛ فقرر "مجلس صيانة الدستور"، قبل ايام، ان يجيز ترشح ستة افراد فقط من اصل الف، هم الرئيس السابق هاشمي رفسنجاني، ورئيس المجلس مهدي كروبي، واربعة من المتشددين هم ضباط كبار في "الحرس الثوري"! وحين بدا ان الانتخابات الوشيكة ستبدو فضائحية، وان غالبية ضخمة من السكان ستقاطعها، تدخل المرشد الاعلى، علي خامنئي، حاملاً المجلس على اجازة ترشيح اصلاحيين اثنين! هكذا غدت النسبة ثمانية من الف، بدلا من ستة!

         فأغلب الظن، اذاً، ان ما سنشهده بعد ايام سيكون احصاء سكانياً آخر تجريه الدولة الايرانية، لكنه حكماً لن يكون انتخابات تسأل الشعب رأيه، ثم تحول هذا الرأي الى سلطة، على ما تقضي الانتخابات.

التعليق