قانون الانتخاب: "المحافظة" بدلاً من "القضاء".. ومن التأجيل!

تم نشره في الأحد 29 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

من عادة الانتخابات اللبنانية أن تجري وفق قانون انتخابي جديد في كل مرة. ذلك ناتج عن الأساس الطائفي الذي تقوم عليه الحياة السياسية في لبنان، والذي يدفع التيارات السياسية/ الطائفية للتفاوض في كل مرة على التقسيم الذي ستجري بموجبه الانتخابات بحيث يكون لكل منها الحصة التي تقبل بها من مقاعد المجلس النيابي.

هذه المرة كانت من الاستثناءات القليلة. فالانتخابات ستجري وفق القانون ذاته الذي أجريت بموجبه انتخابات العام 2000، والذي يقوم على تقسيم لبنان إلى دوائر انتخابية على أساس المحافظة بشكل رئيسي مع خلطه هنا وهناك بدوائر أصغر حجماً، خاصة في بيروت المقسمة إلى عدة دوائر. أما سبب الحفاظ على قانون الـ2000 فليس أنه يرضي جميع الأطراف، بالعكس فالقانون أثار رفض تيارات سياسية عديدة، معظمها من المارونيين والطوائف المسيحية الأخرى، وإنما السبب أن معارضي القانون، وبسبب تلاحق الأحداث عقب اغتيال الرئيس رفيق الحريري، وجدوا أنفسهم أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما القبول بالقانون أو تأجيل الانتخابات.

بالطبع القوى المسيحية المعارضة كانت مهتمة بإجراء الانتخابات لأن تأجيلها يعني حكماً التمديد للمجلس النيابي الحالي الذي تسيطر على أكثر مقاعده قوى موالية لسوريا. كذلك هو حال التيار السني الذي كان يقوده الرئيس الراحل رفيق الحريري والذي كان يؤيد (من حيث المبدأ) تعديل القانون بحيث يعطي تمثيلاً عادلاً لجميع اللبنانيين، إذ كان من الضروري بالنسبة له إجراء الانتخابات للتخلص من آثار "العهد القديم" الذي طُبع بالوجود السوري، أياً كان شكل القانون.

الاعتراض على القانون

تطالب القوى المسيحية المعارضة، والتي تتحدث باسمها عادة زعامات دينية كالبطريرك الماروني نصر الله صفير، أو سياسية كالتيار الوطني الحر الذي يتزعمه العماد العائد من المنفى ميشيل عون ومعه زعامات عائلة الجميّل مثل الرئيس السابق أمين الجميّل والنائب بيير الجميّل (ابن الرئيس بشير الجميّل)، تطالب باعتماد قانون انتخابي يقسم لبنان إلى دوائر صغيرة على أساس الأقضية (بدلاً من المحافظات)، حيث يتكون لبنان من 27 قضاءً. والسبب أنه لو أجريت الانتخابات على أساس المحافظة لابتلعت الأغلبية خيار الأقلية. ففي أغلب المحافظات اللبنانية فإن أكثر الناخبين هم من المسلمين، سواء السنة أو الشيعة، فيما المسيحيون هم الأقلية. ورغم أن النظام الانتخابي يعطي حصصاً للأقليات كافة بمراعاة تقريبية لنسبة كل منها في كل محافظة، إلا ما تقوم به التيارات السياسية هو أن ترشح قوائم انتخابية تضم حتى مرشحين للمقاعد المخصصة للأقليات السكانية في المحافظة. فتيار  بيروت مثلاً (تيار الحريري) يقدم مرشحين عن المسلمين السنة وكذلك عن المارونيين أو الطوائف المسيحية الأخرى في دوائر بيروت المختلفة، فيقوم الناخبون السنة (الذين يمثلون الأغلبية) المسجلون في تلك الدائرة والموالون للتيار بانتخاب المرشحين عن السنة وعن الأقليات الأخرى، فيفوز المرشح من الأقليات الذي انتخبه المسلمون حتى لو كان أكثر المسيحيين (أياً كانت طائفتهم) قد صوتوا لمرشح مسيحي آخر. الشيء نفسه تفعله حركة أمل في الجنوب والبقاع وكذا حزب الله، ما يعني أن أكثر النواب المسيحيين، بسبب القانون الحالي، لا يمثلون خيار المسيحيين.

طبعاً هناك حل يمكن أن يلطف هذه النتيجة، وهو أن تعتمد الطريقة النسبية في تحديد الفائزين بالانتخابات، وهو الشيء غير المعمول به، إذ يفوز فقط من يحصل على أعلى الأصوات. في الطريقة النسبية، يفوز من كل قائمة عدد من المرشحين يكافئ النسبة التي حصلت عليها قائمتهم من إجمالي أصوات الدائرة، وهكذا يمكن للقوائم المسيحية أن تفرز نواباً بحسب ثقلها الانتخابي في تلك الدائرة حتى لو كان ناخبوها هم الأقلية. هناك بالطبع من يطرح هذا الحل في لبنان، لكنه عادة يأتي من القوى المسلمة المهتمة بإبقاء قاعدة الدائرة الكبرى (المحافظة)، فيما تصر التيارات المسيحية على اعتماد القضاء ولا تناقش الطريقة النسبية، إذ بسبب الطريقة التي يتوزع عليها السكان في لبنان، وأساسها وجود تجمعات (قرى، بلدات، أحياء) مسيحية وأخرى سنية وثالثة شيعية، فإنه لو اعتمد القضاء، فإن عدداً من الدوائر ستصير ذات أغلبية مسيحية، وسيكون سهلاً على المسيحيين تحديد نوابهم بأنفسهم، فيما سيقل عدد النواب الذين يحددهم المسلمون، لأن نفوذهم سيتحدد في الأقضية التي يتجمعون فيها بدلاً من مجمل المحافظة أو الدائرة الكبرى.

  من أين جاءت المحافظة؟

نصّ اتفاق الطائف، الذي هو أساس العملية السياسية الراهنة في لبنان، صراحةً على إجراء الانتخابات على أساس المحافظة. غير أن المعترضين على القانون يقولون أن مشرعي الطائف كان في أذهانهم إعادة هيكلة التقسيم الإداري (المحافظات) الحالي للبنان، بحيث تراعي تقسيمات جديدة التوزيع السكاني القائم. وفيما لا تقيم القوى المباركة لقانون الـ2000 وزناً لهذا الكلام، ومعظمها من قوى "الموالاة" أي المقربة فيما سبق من سوريا مثل حزب الله وحركة أمل وتيار الرئيس كرامي، فإن بعض القوى المحسوبة على المعارضة مثل التيار الذي يتزعمه الزعيم الدرزي وليد جنبلاط (الحزب التقدمي الاشتراكي) لم تمانع بالإبقاء على القانون، وكذلك تيار الحريري رغم أن رفيق الحريري كان يود تغييره لولا أن القانون الجديد الذي قدمته حكومة عمر كرامي (خصمه السياسي) للمجلس النيابي قبل استشهاده بقليل، وكان يعتمد القضاء فعلاً أساساً للانتخاب، أثار امتعاضه لأنه اعتبر أنه يقسم إحدى دوائر بيروت الحالية بطريقة تمنعه من الفوز، وكأنه قانون موجه ضده.

قانون المستقبل

الخلافات الأخيرة بين وليد جنبلاط وميشيل عون، الذين كان يُفترض أنهما حليفان في "المعارضة"، وكذا النهج الذي اتبعه سعد الدين الحريري في إعلان قوائمه التي قدم فيها مرشحين مسيحيين أهمهم أرملة الرئيس بشير الجميّل، كلها تعني أن التحالف مع القوى المسيحية ضد الوجود السوري عقب اغتيال رفيق الحريري، يبعث على الاعتقاد أن شيئاً لن يتغير في النتائج التي يتوقع المسيحيون أن يفضي إليها القانون الانتخابي الحالي. وتعتقد المعارضة أنها ستفوز في الانتخابات، بدليل الالتفاف الجماهيري حولها بعد الرابع عشر من شباط، وتبقى تلك الوسيلة الوحيدة لتغيير صيغة القانون الانتخابي الذي ستجري على أساسه الانتخابات اللبنانية التالية، بعد سنوات، بافتراض بقاء رمال التحالفات السياسية المتحركة في لبنان على حالها، على صعوبة ذلك، بل استحالته.

التعليق