آخر العروبة: خطاب سلفي ونزعة مثالية؟

تم نشره في الجمعة 27 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

   في سياق القراءة التشخيصية التي طالت الخطاب القومي العربي المعاصر، في بحثها عن نقاط قوة وضعف هذا الخطاب ، رأى الجابري أن الخطاب القومي العربي بقي خطاباً مضاعفاً، بمعنى أن لغة الخطاب القومي كانت لغة مضاعفة، تقيم تلازماً بين الوحدة وتحرير فلسطين، وتدفع الأمور باستمرار إلى عنق الزجاجة.

    فكثيراً ما وجدت الحكومات العروبية في القضية الفلسطينية مبرراً لتغطية كل تصرفاتها في الداخل (القمع في الداخل بحجة وجود العدو الخارجي، وأن لا صوت يعلو على صوت المعركة)، والتهرب من استحقاقات الجماهير العربية، في التنمية والإصلاح السياسي الداخلي، تحت حجج وشعارات واهية.

    من فلسطين، التي ضاعت وتضيع أمام أعيننا بدون أن تجد لها حلا، ولا خارطة تحميها، ولا أية إشارة تدل على الطريق، إلى احتلال بغداد، يجد الخطاب القومي العربي نفسه معنياً بالإجابة عن التساؤل الأساسي: إذا كان العدو الخارجي هو المهماز الذي أدى إلى "يقظة العرب"، كما يذكرنا كتاب جورج أنطونيوس، وإلى "يقظة الأمة العربية"، التي يحيلنا إليها كتاب نجيب عازوري، فلماذا لم تؤدِ هذه اليقظة إلى تحرير فلسطين، أو الحصول على مطالب الحد الأدنى كما تمثلها خارطة الطريق، ومن قبلها اتفاق أوسلو؟ ولماذا لم تحل هذه اليقظة دون احتلال بغداد وما قد يليها من عواصم عربية؟ وهل قدر للعرب أن ينساقـوا من احتلال إلى آخر؟ ففي الوقت الذي تراجع فيه الاستعمار من جميع أنحاء العالم (أواسط القرن المنصرم)، جاءت نكبة فلسطين التي تجسد استعماراً استيطانياً في قلب العالم العربي، كما يحيلنا الخطاب القومي إلى ذلك، ومع بداية الألفية الثالثة، التي توسم عادة بالسعادة، جاء احتلال بغداد، وعاث "القطيع الإلكتروني"، كما يسميه توماس فريدمان، في بغداد وأهلها ومتاحفها، وراحت كباش فريدمان، بقرونها الطويلة والقصيرة، تنطح كل من يقف في وجهها، وتبين للقاصي والداني تلك النـزعة "الإنسانية" العسكرية الجديدة لكباش فريدمان، أو لحلف الناتو، التي يسخر منها نعوم تشومسكي، في كيفية حماية الشعب العربي وتحقيق حريته.

    أعود للقول، إنه من احتلال فلسطين وضياعها بالكامل، إلى احتلال بغداد، التي باتت منسية في القمم العربية وعلى صعيد الخطاب الرسمي العربي، الذي بات يتهرب من ذكرها ويلقي باللوم على الذين ورطوه في ذكرها، يجد الخطاب القومي العربي نفسه في ورطة. فلا "أول العروبة" الذي رفع شعار "العروبة أولاً"، كما يذكرنا كتاب المفكر القومي ساطع الحصري -والذي تزامن مع شعارات عديدة، من بينها "الإسلام أولاً" لعبد الحليم عويس، ثم "الديمقراطية أولاً" لعبد الرحمن منيف ..إلخ- استطاع أن يجعل من العروبة أولاً واقعاً تاريخياً، وخطوة على طريق تحرير فلسطين، وعلى طريق الانتقال من النهضة إلى الثورة.

    ولا "آخر العروبة" الذي يمكن التأريخ له بعد وفاة عبد الناصر في العام 1970، استطاع أن يخرج من "الأزمة" التي تخطت في محتواها كل إمكانية للخروج من الأزمة. وسرعان ما تبين أن "آخر العروبة" قد دخل في زمن التيه، وأنه لن يخرج من غيبته أو غيبوبته. فقد أحكم عليه باب السرداب، وتحول حارس الفكر القومي إلى طاغية، استعار معظم بواعث التعبير عن نفسه من طواغيت القرون الميثولوجية الأولى. لا بل إنه فاق ما عداه، وتحولت المدن العربية إلى مدن من ملح حقاً، كما تذكرنا رواية عبد الرحمن منيف، الذي طرد من جنة البعث وصرح العروبة الذي حماه ميشيل عفلق، ثم استقل عنه بكل ذل ومسكنة، وتحولت إلى مدن تحكمها الأشباح و"الشبيحة" معاً، وعصابات المافيا الجديدة، التي تاجرت بالعروبة، وقدمت الآلاف على مذبحها المشيد بالجماجم والدم.

   مرة ثانية، أعود للقول، إنه بين "أول العروبة"، الذي انتهى بضياع فلسطين، و"آخر العروبة" الذي انتهى باحتلال بغداد، يجد المهتم بالشأن القومي وما آل إليه الواقع العروبي من نكبات ومآس، لم تفضِ أبداً إلى الاستفادة من دروسها وعبرها ولا من تجارب التاريخ الوحدوية التي استفاض نديم البيطار في شرح فوائدها وعبرها، يجد نفسه معنياً بالتساؤل: هل سيكتب بداية القرن "نهاية العروبة" وينعى "وداع العروبة"، لأن العروبة، كما يذهب إلى ذلك حازم صاغية في كتابه "وداع العروبة، 1999"، لا تزيد على كونها جثة هامدة يجب دفنها، والعاقل من يدفن موتاه، والتعبير لصاغية؟ أم أن المطلوب هو الهجرة من العروبة إلى العروبة، كما يذهب إلى ذلك عبد الإله بلقزيز في كتابه الجديد "من العروبة إلى العروبة: أفكار في المراجعة" (بيروت، 2003)، و الصادر في سياق النكبة الجديدة التي انتهت باحتلال بغداد.

    إن الهجرة من العروبة إلى العروبة تستند في جوهرها إلى أمرين: الأول، تجاوز أيديولوجيا الإحباط والهزيمة التي تنتشر في أروقة ثقافتنا كفطر ذري سام، والتي يمر من بابها الواسع، لا من خرمها الضيق، كل القائلين بـ"نهاية العروبة".

    والثاني: الاعتماد على ثقافة المراجعة، التي يراها محمد جابر الأنصاري في كتابه "مساءلة الهزيمة" (2001) شرطاً لوقف التراجع. وهذا ما يؤكده بلقزيز في كتابه سالف الذكر. فالهجرة من العروبة إلى العروبة تستند في مرجعيتها إلى ثقافة مراجعة، تقوم على "زيادة جرعة النقد فيها للتجربة القومية المعاصرة، إلى حدود قد لا يقبلها أكثر القوميين العرب انفتاحاً". وهو يعلل ذلك على أنه خدمة للعروبة، وذلك بهدف إعادة الاعتبار إلى المضمون الثوري للفكرة الذي ابتذلته تجربة الممارسة (الحزبية والسلطوية) في الأربعين عاماً الأخيرة، أي في آخر العروبة.

    في رأيي، فإنه من الخرم الضيق لـ"إعادة الاعتبار" تلك، التي يدعو إليها عبد الإله بلقزيز، يمر ذلك الفصل المتعسف الذي يلجأ له الكثير من الأصوليين القوميين واليساريين والدينين، في سعيهم لحماية مثالية الفكرة على حساب الواقع التاريخي، وهذه هي العلامة الفارقة لمعظم الخطابات السلفية، الدينية و"اليسراوية" و"القوموية".

    فقد تجاهل الإسلاميون الواقع لصالح المثال، وأنكروا وتجاهلوا الإسلام التاريخي لصالح إسلام النص، وبذلك قاموا بتنقية العقيدة من كل عوارض الزمن، ومن الحيف التاريخي الذي لحق بها. وهذا ما فعله الماركسيون العرب؛ فكثيراً ما تغنى هؤلاء بمثالية ماركس والماركسية وتجاهلوا، عن عمد، كيف تحولت الماركسية إلى نزعة شمولية، تحرسها أنظمة شمولية، وطغاة ما جاد التاريخ بمثلهم، بحيث أنهم أصبحوا نموذجاً يحتذى لطغاة العالم الثالث، كما تفصح عن ذلك سير بعض هؤلاء، الذين تاهوا إعجاباً بستالين وشخصيته العظيمة النادرة!

    وفي رأيي، إن الخطاب القومي العربي الرامي إلى تثوير ثقافة المراجعة، بهدف وضع حد للتراجع، كثيراً ما يستعير بواعث التعبير عن نفسه من الخطابين الأصوليين الديني والماركسي، في سعيه إلى تزكية المثال على التاريخ، والطوبى على الواقع. فالمشروع السياسي العربي كان باستمرار أقل طموحاً من المشروع القومي، وبالتالي كان أقل استيعاباً لمنجزات الفكر القومي العربي، إن لم يكن أكثر بعداً عنه. هذا ما يقوله بلقزيز، وهذا ما تدفع إليه إعادة الاعتبار التي تؤكد على أن "المضمون الثوري للفكرة القومية" كان دائماً أشمل من الحركة السياسية للقومية العربية. وهذا في أبسط الأحوال تزكية للفكر القومي الذي لوثته التجربة السياسية، مع أن المطلوب هو فعلاً زيادة جرعة النقد لتطال بنية الفكر القومي العربي، والتي تلازمت، وعلى طول مسارها التاريخي، مع نزعة شمولية قادت إلى وأدها في مهدها، وتطال "قوميي المشرق العربي" وعجزهم عن استيعاب احتياجات الواقع العربي التي تم تجاهلها باستمرار، وتطال بيضة الفكر القومي التي تكلست. وعندها يصح التساؤل: عن أي مستقبل للحركة القومية العربية في إطار تحولات النظام العالمي الراهن، كما يطرح بلقزيز.  

التعليق