عدم الممانعة

تم نشره في الخميس 26 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

في قضايا العلاقة مع الاشقاء الفلسطينيين في الضفة والقطاع، لا يجوز ان يغيب عن البال الطرف الثالث، بسياسته العدوانية التي تثير المخاوف ولا يمكن الوثوق بها، وتشكل خطرا مباشرا على الشعب الفلسطيني، وتهديدا للامن الوطني الاردني. فالممارسات الصهيونية، من ادناها وحتى فكرة الجدار العازل، تصنع حالة طاردة للفلسطينيين، من تلك الاوضاع الصعبة، وتدفع الى عمليات التهجير القسري، او على الاقل الهروب المرحلي. وفي سياسة ادارة العلاقة مع الاشقاء، لا بد دائما ان تحافظ الحكومات على امرين: الاول، تشدد في السياسات، بحيث تقطع الطريق امام اي استغلال صهيوني للاوضاع المأساوية للفلسطينيين، والثاني تسهيل في الاجراءات، بحيث لا يتحمل المواطن الفلسطيني اي معاناة او مشقة ادارية اثناء تنقله من بلاده الى الاردن، زائرا او عابرا للدراسة او العلاج او الزيارة.

لكن عبر حكومات متعاقبة، ومنها الحكومة الحالية، هنالك خلط بين السياسات والاجراءات، ويبدو ان الضغوط التي تتعرض لها الحكومات، او المطالبات السياسية من هنا وهناك، او الشكاوى من الناس، تدفعها إلى ان تمارس تساهلا في السياسات التي يجب ان تبقى متشددة، لانها لا تستهدف المواطن الفلسطيني، بل تمثل اجراء وقائيا ضد السياسات الاسرائيلية، وتحاول منع تسرب الفلسطينيين تحت ضغط الظروف القاهرة، الاقتصادية والامنية. ولو كان الامر ثنائيا بين الاردن والسلطة وابناء الشعب الفلسطيني لكان التعامل سهلا في السياسات والاجراءات، لكن ما دامت هناك سياسات صهيونية طاردة ومهجرة، وتستهدف تفريغ الارض من اهلها، فالامر يجب ان يقابل بسياسات متشددة. اما من توفرت فيه الشروط لدخول الاردن فلا يجوز ان يقابل الا باجراءات سهلة وميسرة.

الغاء عدم الممانعة الذي اتخذته الحكومة مؤخرا، لا يصنف ضمن الاجراءات الميسرة، بل ضمن التساهل في السياسات. ويبدو ان ردود الفعل السياسية العديدة دفعت الحكومة الى اصدار توضيح على لسان الناطق باسم وزارة الداخلية، لكنه توضيح يحتاج الى توضيح! فالامر جاء تأكيدا لالغاء عدم الممانعة، والاكتفاء بتعهد خطي وغرامة مالية لمن يخالف، وهذا يعني تسهيل اي تسرب. فمن يدخل ويريد الهروب من الحالة الطاردة هناك، ليس معنيا كثيرا بغرامة. وعلينا ان ندرك ان تأثير السياسات الصهيونية لا يعني خروج اعداد كبيرة مرة واحدة، بل تسرب تراكمي. ولو كان لدى الحكومات دراسات دقيقة، لطلبنا منها ارقاما لهذه التراكمات عبر السنين الماضية، فالقصة ليست مقارنة ارقام الداخلين والخارجين خلال شهر، بل محصلة حالة سياسية صعبة يعيشها الفلسطينيون خلال سنين طويلة.

وفي مثل هذه القضايا الكبرى لا يجوز لاي حكومة ان تمارس اي مجاملة او استجابة لضغوط. وما عليها ان تفعله ان تخفف من الاجراءات اذا كانت شاقة، لكن لا يجوز ان تمرر، بحسن نية، تساهلا يؤدي الى نتائج سلبية سياسيا. والمفارقة ان مثل هذه الضغوط تتعرض لها الحكومات مع بداياتها، إذ يجري الحديث عن تسهيل حركة الجسور، وهذا امر مفهوم، لكن الامر يختلف عندما يكون على حساب الضوابط، التي لا غنى عنها لمواجهة اثار سلبية من التسرب، الذي لا يمكن ان يسمى الا باسمه السياسي: تفريغ للارض من اهلها، وتهجير او هجرة ناعمة من الضفة الى الاردن.

الاجواء لا ينقصها مزيد من المخاوف والاقاويل، فكثير مما في اجواء المنطقة يبعث على الريبة في ادارة القضايا الكبرى، ونحن في الاردن لدينا مخاوف مشروعة من محاولات التوطين، المباشر او غير المباشر. وفي ادارة القضايا السياسية، فان التعامل بسوء الظن مع سياسات طرف اسرائيلي لا يمكن الوثوق به هو الحل الاسلم، والتشدد ضرورة، والمجاملة في السياسات تكشف احيانا عن هروب من الاولويات نحو فهم مبسط للامور، وهو ما لا يجوز في مراحل غير مستقرة والمخاوف فيها تتناثر في كل مكان.

اخطأت الحكومة في قضية عدم الممانعة، الموجهة اصلا لمواجهة سياسات اسرائيلية، وربما آن الاوان ان يكون لدى الحكومات فهم واضح وموحد لادارة هذه الملفات الكبيرة. فلا يجوز ان تدار بتغيير في القرارات تبعا لظروف متغيرة، او مجاملة او استجابة لطلب او ضغط، تماما مثلما كادت حكومة سابقة ان تقع في خطأ سياسي كبير، عندما كادت تصدر قانونا بضغط نيابي لمنح الجنسية لابناء حملة الجنسية او الهوية الفلسطينية، وهو قرار كان يعني توطينا لعشرات الآلاف، مع تراكم دائم وتزايد مطرد لهذا الرقم، والاهم هو فتح الباب امام توطين يومي.

التعليق