هل يعتذر فيشر للعرب؟

تم نشره في الخميس 26 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

يروق لبعض الدبلوماسيين الغربيين من وقت لآخر، إطلاق تصريحات تهدف بالأساس إلى إحراز نقاط لدى إسرائيل؛ إما بإظهار التعاطف التام مع معاناة اليهود، واستحضار ما مر به بنو إسرائيل من مآس على يد البشر أجمعين، متجاهلين بطبيعة الحال مآس أكثر حضورا وترويعا في الزمن الحالي، أو عبر تصريحات تدافع عن حق إسرائيل في البقاء، وحقها في الدفاع عن نفسها، وامتلاك الأسلحة النووية، وأن تكون الدولة المارقة رقم واحد بامتياز.. إلى آخر الحقوق التي يرى البعض منهم أنه مسموح بها لإسرائيل فقط!

عند هذا الحد، قد يفسر الأمر في إطار أن المنطق الحاكم لتصريحات كتلك يبدو مفهوما في ضوء مصالح الدول مع بعضها بعضا، غير أن ما هو غير مفهوم، أو حتى مقبول، هو سعي بعض من هؤلاء السياسيين الغربيين لإحراز نقاط محبة وتودد لدى إسرائيل عبر تصريحات تنم عن استخفاف مغلف بعنصرية مقيتة حيال العرب، الذين يشكلون محيط دولة إسرائيل.

هذا هو حال التصريحات التي صدرت عن وزير الخارجية الألماني، يوشكا فيشر، والذي قال في تصريح لجريدة دي تسيت، بتاريخ 11/5/2005، بأن إسرائيل مازالت بحاجة إلى التفوق العسكري على جيرانها، وأضاف ما نصه  "ثمة أناس كثيرون في أوروبا، وليس في المانيا وحسب، لا يفهمون لماذا تحتاج إسرائيل لأن تكون في موقع تفوق عسكري. إن المشكلة تكمن في أن إسرائيل ما زالت غير معترف بها من قبل جيرانها بشكل حقيقي، وهذا الأمر يتطلب تفوقا عسكريا". ويمضي فيشر، الذي وجد في نفسه محاميا عن إسرائيل، إلى أن "في إسرائيل هناك قدر كبير من عدم الثقة حيال الأوروبيين حينما يتعلق الأمر بالملفات الأمنية، ويتساءل الإسرائيليون دوما هل سيساعدوننا في وقت الشدة؟ ففي حالة الولايات المتحدة، تكون الإجابة بـ"نعم" جازمة، أما في حالة أوروبا فهناك تساؤلات عديدة". وقبل ذلك بيوم واحد، كان فيشر قد فاز بجائزة الحاخام ليو بايك، التي سلمها له رئيس المجلس المركزي لليهود بالمانيا، وذلك تقديرا لجهوده. وتحدث فيشر في الحفل عما وصفه بالالتزام الخاص "الذي يجعل المرء ملتزما بقيم الإنسانية والتسامح والتعايش السلمي للثقافات والأديان والشعوب المختلفة". ورغم أن هذا كلام إيجابي، إلا أن فيشر اختار أن يقيد هذا الالتزام. وبحسب تعبيره "أولا وقبل كل شيء، فإن هذا الالتزام هو محاربة كل شكل من أشكال العداء للسامية"، أي بمعني آخر، هي حرب بالوكالة دفاعا عن إسرائيل، وضد كل نقد يوجه إليها، فهذا هو العداء للسامية كما تعرّفه إسرائيل.

أن يحاول فيشر ممالأة إسرائيل والتقرب لها، منطلقا من عقدة قديمة لديه، فهذا شأنه، وهو أمر أعتدنا عليه من ساسة غربيين كثر، لا سيما أولئك الذين لا يزالون مسكونين بهاجس التاريخ بشكل انتقائي بحت، بحيث يغضون الطرف عمدا عن جرائم الحاضر التي لا تقل وحشية، والتي يرتكبها من اختار أن يدافع عنهم اليوم، مستحضرا تضحياتهم وعذاباتهم، ولكن حينما يأتي الأمر على حساب العرب، وبهذا الشكل الفج، فهو أمر غير مفهوم.

يتساءل المرء عن ردة الفعل فيما لو كانت هذه التصريحات قد صدرت مثلا بحق الفلسطينيين؟ أي ماذا لو قلبنا الآية، وقال فيشر بأن من حق الفلسطينيين امتلاك السلاح اللازم لأنهم يعيشون في محيط يكن لهم العداء، ولا يعترف بهم، ليس كدولة وإنما حتى كبشر؟ ماذا لو قال أنه من حق لبنان الاحتفاظ بسلاح مقاومته، لأنه سلاح الردع الوحيد في مواجهة محيط عدائي يتهدد وجودها، عبر ترسانة أسلحة إسرائيلية، المعروف منها ليس سوى قمة جبل الجليد؟ لو استبدل فيشر إسرائيل بالفلسطينيين، ودافع عن حقهم في تملك السلاح، وليس في التفوق العسكري الذي يتحدث عنه بكل ثقة، لكان اليوم في عداد المفقودين، ولفقد وظيفته، ولنشطت آلة الدعاية الصهيونية وأدخلته في محرقتها التي لا تترك تصريحا ولا كلمة يتفوه بها أحد حيال إسرائيل إلا وراقبتها ورصدتها وردت عليها، بينما العرب يتداعي عليهم الجميع دون أن يحركوا ساكنا.

في نظر فيشر، السياسي الألماني المخضرم و"صديق إسرائيل المخلص"، يكون التفوق العسكري إذن من حق المعتدي وليس المعتدى عليه! خطورة هذه التصريحات كونها تنطوي على عنصرية فجة، تصور العرب وكأنهم محيط بشري عدواني يطوق إسرائيل الوديعة، التي يجب أن تتفوق عسكريا حتى تحمي نفسها من هؤلاء الجيران، وهي ذات نظرية الحمل الوديع التي سوق لها الأباء المؤسسون لإسرائيل لكسب التعاطف في أوساط اليسار الأوروبي، وهي النظرية التي كشف زيفها مع حرب 1967، حين قال أحد أقطاب اليسار البريطاني بأن حرب 67 أنهت أسطورة كون إسرائيل هي الضحية في محيط عدائي عربي، لكن السياسي الألماني لم يجد سوى هذه الحجة القديمة، ينفض عنها التراب، ليدافع بها عن حق إسرائيل في التفوق العسكري ضد جيرانها.

غير أن ما بدا أمرا شديد الغرابة هو أن أحدا لم يلتفت إلى هذه التصريحات على خطورتها، وعلى ما تنطوي عليه من عنصرية فاضحة، تعطي إسرائيل وحدها الحق في التفوق العسكري، بحجة أن جيرانها لا يعترفون بها بشكل حقيقي، ولم يقل لنا السيد فيشر ما هو بنظره، معنى الاعتراف الحقيقي، والصكوك التي يجب أن يقدمها العرب لكي يؤكدوا حسن النية. ليس مفهوما لماذا التزم الجميع صمتا مريبا في وجه هذه التصريحات! وحتى الجامعة العربية، التي يطلق أمينها العام التصريح تلو التصريح حيال موضوعات أبسط من تلك، لم تبد أي إحتجاج، ولم يتم إستدعاء أي من السفراء الألمان في العواصم العربية العريقة للاستفسار عن حقيقة التصريح ومايعنيه!

من المهم بمكان وجود آليات لمراقبة هكذا تصريحات، والتعاطي معها بشكل فوري، وألا ندعها تمر مرور الكرام. وأقل ما يجب أن نطالب به وزير الخارجية الألماني هو الاعتذار "لجيران إسرائيل"، الذين لا يعتقد فيشر أن من حقهم الدفاع عن أنفسهم. وأقل ما يجب عمله هو الكتابة للسفارات الألمانية في كل الدول العربية، ومطالبتها بتوضيحات لهذه التصريحات المستهجنة، التي تشي بعنصرية ونازية مقيتة. فهل يدرك فيشر أن مزيدا من التفوق العسكري الإسرائيلي ستكون ترجمته الوحيدة مزيدا من الضحايا العرب؟ فهل يشجع فيشر، بتصريحاته تلك، الغطرسة الإسرائيلية، والاستهتار الشديد بالدم العربي؟ إذا كان ثمة من يجب أن يقدم له الألمان تعويضات وإعتذارا فهم الفلسطينيون، ضحايا النازية الألمانية.

كأن الفلسطينيين بتصريح فيشر يدفعون الثمن مرتين، مرة حينما فقدوا اراضيهم لضحايا النازية، ومرة أخرى حين يطالب أحد ساساتهم بالتفوق العسكري الإسرائيلي ليحصد مزيدا من الدماء والضحايا الفلسطينيين والعرب. 

التعليق
› ان الاّراء المذكورة هنا تعبر عن وجهة نظر أصحابها ولاتعبر بالضرورة عن اراء جريدة الغد.
  • »النازيه الحديثه (ابو محمد صهيب المصرى)

    الثلاثاء 8 أيار / مايو 2007.
    هذا الرجل وامثاله عقيدتهم كراهية كل ماهو عربى ولايهم الدين وتلك هى العنصريه التى ورثها عن ابيه هتلر والتى لايستيع ان يجاهربها خوفا من قانون معاداة اليهود والمعروف بقانون معاداة الساميه والذى استطاع اليهود بمكرهم ان يخيلوا للناس انهم هم الساميون ولااحد غيرهم ولكن بعد الظلام يأتى النور الساطع