درس من أنديجان للعرب

تم نشره في الأحد 22 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

رغم ضآلة المعلومات الحقيقية المتوافرة حول ما يحدث في أوزبكستان، بسبب التعتيم الإعلامي، الذي برعت آلة الدعاية الحكومية للرئيس إسلام كاريموف في إرسائها عبرسنوات حكمه، إلا أن ثمة صورة، وإن كانت ضبابية، لما آلت إليه الأوضاع بسبب الحكم القمعي لكاريموف. فآلة الدعاية الـ"كاريموفية" تصور الأمر باعتباره حربا شرعية، تخوضها الحكومة ضد من تعتبرهم "إرهابيين إسلاميين". وكاريموف بفعلته هذه يغمز في قناة الإرهاب والحرب عليه، وإن لم يكن بحاجة لذلك، طالما أن إدارة الرئيس بوش تعتبره أحد حلفائها المخلصين، الذين أفرزتهم أوضاع ما بعد سبتمبر، في الحرب على الإرهاب.

غير أن الواقع، كما يراه الصحفيون وبعض الدبلوماسيين الغربيين، ممن خدموا في طشقند،  يقول بغير ذلك. فثمة حكم ديكتاتوري ناهب لثروات البلاد (أوزبكستان هي سابع أكبر منتج ومصدر عالمي للذهب واليورانيوم، غير أن سعرهما، والمدخول النقدي المتأتي منهما، تبقيهما حكومة كاريموف سرا كبيرا عن أفراد الشعب) دفع بالبلاد إلى حالة من التردي والضعف الاقتصادي والاجتماعي. وهو حكم مدعوم من الغرب، لأن كاريموف أثبت أنه ديكتاتور مخلص لأجندة الحرب على الإرهاب. فأوزبكستان تقع إلى الشمال من أفغانستان، وتعد أكبر دولة في أسيا الوسطى من حيث تعداد السكان، والبالغ 25 مليون نسمة، وبالتالي فإن لها أهمية جيو-إستراتجية في كونها توفر لبوش قواعد برية وجوية، بما يمكنه من إحاطة منطقة الشرق الأوسط الأوسع بسياج أمني من الوجود العسكري الأميركي. فلا يهم بعد ذلك في نظر بوش، المتشدق دوما بدعوات الديمقراطية وحقوق الإنسان، مايفعله كاريموف، ليس بخصومه السياسيين وحسب، وإنما بعموم الشعب الأوزبكي.

هذه الصورة في جزئية منها تذكر بما يحدث في بعض الأوتوقراطيات العربية. وربما يقرأ البعض، برغم اختلاف التجربة السياسية، شيئا من أوجه الشبه بين حكم كاريموف وحكومات عربية تفعل ذات الشيء، من نهب لثروات البلاد بشكل منتظم، عبر زواج غير شرعي بين الفساد السياسي والمالي، إلى ترويع خصوم النظام والمعارضين، عبر الاعتقالات والاتهامات بالتخوين والعمالة، وتخويف الغرب من سيناريوهات استيلاء الإسلاميين الإرهابيين، الكارهيين للغرب، على الحكم إذا ما فتح الباب سياسيا، وليس آخرها بطبيعة الحال، الانخراط في عمليات التحقيق بالوكالة، عن المخابرات الأميركية، لاستنطاق المعتقلين، بأساليب لا تمت للإنسانية بصلة، بما تريد السلطات الأميركية أن تسمعه عن خطر القاعدة المتعاظم، وشبكاتها المنتشرة عبر انحاء العالم، لتسوقها بعد ذلك للرأي العام الأميركي في صيغة أخطار تهدد أمنه القومي، ولتخرس، من ثم، ألسنة الانتقاد. وكل ذلك مقابل غض الطرف عن الممارسات القمعية، أو التلويح بلافتة الإصلاح السياسي، في حال لم تلتزم تلك الحكومات بتعهداتها. 

من المهم الإشارة إلى أن جزءا من هذه الصورة يرجع الفضل في كشفه إلى أحد الدبلوماسيين البريطانيين، وهو كريج موراي، الذي شغل منصب سفير بريطانيا في أوزبكستان، خلال الفترة من 2002 وحتى تشرين الثاني 2004، ودفع ثمنا غاليا من صحته ومستقبله الدبلوماسي لأنه تجرأ على كشف تحالف بلاده والولايات المتحدة مع حكومة كاريموف للحصول على معلومات استخباراتية تحت التعذيب، مقابل أن تغضا الطرف عن الممارسات الوحشية للرئيس الأوزبكي.

بدأت القصة حينما وجه موراي رسالة سرية، سربت لاحقا إلى جريدة الفاينانشال تايمز، في أوائل تشرين الثاني 2004، ذكر فيها أن المسؤولين الأوزبكيين يحصلون على المعلومات من معتقليهم تحت وطأة تعذيب شديد، لتنقل المعلومات بعد ذلك إلى جهاز المخابرات البريطاني (MI 6)  والسي أي إيه، وأن النظام يفرض علN المعتقلين التوقيع على اعترافات تحتوي المعلومات التي تريد الحكومة الأوزبكية أن تقدمها لأجهزة المخابرات الأميركية والبريطانية. وقال موراي بأن الحكومة الأوزبكية تبالغ في الأنشطة التي يقوم بها المتطرفون وعلاقتهم بالقاعدة.

وفي أول خطاب له بعد تنصيبه سفيرا، قال موراي صراحة، بأنه لا يعتقد أن أوزبكستان دولة ديمقراطية، كما لا يبدو أنها تسير بهذا الاتجاه. فهناك أكثر من ستة آلاف معتقل، فيما مات الكثيرون من جراء التعذيب. والحكومة الأوزبكية تمتلك واحدا من أسوأ سجلات حقوق الإنسان في العالم، وتملك أكبر جيش بين دول آسيا الوسطى. وكانت قضية المعارض الأوزبكي مظفر أفازوف، الذي مات نتيجة وضعه في ماء مغلي في سجن الجسليك، من ضمن الأمثلة التي ساقها موراي، فكان أن سجنت والدة أفازوف المسنة، فاطيما موقدروفا، مرات عديدة، بسبب قيام موراي بالكشف عن حادثة موته.

كوفئ موراي من قبل وزارة الخارجية البريطانية بأن تم إبعاده عن المنصب، بعد أن لفقت له تهم تتطلب إجراءات تأديبية. واضطر موراي إلى رفع قضية ضد وزارة الخارجية، لأن ماحدث معه، بحسب قوله، يبعث الرسالة الخاطئة، من أن أي أحد معرض لأن يفقد وظيفته إذا تجرأ ورفع صوته منتقدا، أو حتى متسائلا عما يحدث باسم الحرب على الإرهاب.

وفي واحدة من خطبه، طرح موراي تساؤلا مهما، ربما لم يجرؤ حتى بعض المثقفين العرب على طرحه، وهو: كيف يمكن محاربة الإرهاب من خلال مساندة الديكتاتوريات الشمولية، التي تسبب الرعب والفقر لشعوبها؟ ليس ثمة إجابة محددة، وإنما الأمر ببساطة لا علاقة له بالأخلاق، بل له علاقة أكثر بعملية تطور القوة العسكرية الأميركية وهيمنتها على مناطق غنية بالبترول والغاز.

يحسب لموراي أنه وجه تحذيرا شديدا في خطاب له في تشاتام هاوس، في تشرين الثاني الماضي، حذر فيه من أن سياسات كاريموف القمعية ستؤدي بالنهاية إلى نتائج كارثية، وأن الأمر متجه نحو مواجهة عنيفة بين كاريموف وخصومه السياسيين، الذين ينتمي جلهم إلى حزب التحرير الإسلامي، وأن ثمة "نموذجا كارثيا لتغيير النظام في أوزبكستان"، في نهاية النفق المظلم للقمع السياسي. واعتبر أن كاريموف لا يواجه التشدد الإسلامي، وإنما يخلق الظروف التي تسمح بتواجدها، من خلال قمعه للمجتمع.

لو أن العالم استمع لموراي حين قرر كشف الغطاء عن وحشية نظام كاريموف، لربما كان يمكن تجنب المذابح التي وقعت في البلاد خلال الأسبوعين الماضيين، والتي أعمل من خلالها كاريموف آلة القتل الشرسة ضد مدنيين عزل، قرروا الانتفاضة ضد ديكتاتوريته. ترى هل ثمة درس يمكن أن يتعلمه الأوتوقراطيون العرب من أحداث أنديجان؟! 

التعليق