الشروط العشرة لبناء نظام ديمقراطي في فلسطين (2/2)

تم نشره في السبت 21 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

    رابعا: اصلاح شامل للاجهزة الامنية. والاصلاح المقصود هنا هو ذلك النابع من الدوافع والمصالح الفلسطينية، وليس ما تحاول فرضه بعض الضغوط الخارجية، وخاصة الاسرائيلية.

ان اصلاح الاجهزة الامنية يعني، بالاضافة الى انهاء التعددية في مرجعياتها وتخفيض عددها وعدد العاملين فيها:

أ- خضوعها لسيادة القانون والسلطات المنتخبة.

ب- خضوعها للمساءلة من قبل المجلس التشريعي المنتخب.

ج- ان هذه الاجهزة تعمل في خدمة الشعب بأسره، وذلك يعني انهاء تسييسها او تحزبها لفصيل معين، وامتناع قادتها عن القيام بأية نشاطات سياسية او اعلامية.

د- عدم تدخلها او ممارستها لانشطة اقتصادية او احتكارية.

هـ- ان يجري تغيير دوري، في فترات محددة سلفا، لقادتها ضمن نظام محدد قانونيا.

و- منع تدخل الاجهزة الامنية في الانتخابات، او مشاركتها في الدعاية الانتخابية، او محاولة التأثير في نتائجها.

     خامسا: انعاش منظمة التحرير الفلسطينية عبر الاصلاح الديمقراطي. فمن المتعارف عليه ان منظمة التحرير تمثل مرجعية للسلطة الفلسطينية، وهي الطرف الرسمي المفاوض باسم الفلسطينيين.

    ان ذلك لا يتفق في الواقع مع حالة التهميش التي تعيشها اجهزتها، التي تحولت الى بند صرف على موازنة السلطة الفلسطينية. كما انه لا ينسجم مع حقيقة غياب الانتخابات الديمقراطية لهيئاتها، وعدم انعقاد مجلسها الوطني منذ عام 1998، بل ان التركيبة الحالية للجنتها التنفيذية تنتمي للماضي، فبعض اعضائها لم يعودوا يمثلون سوى انفسهم، او قوى لا تتمتع بتأييد شعبي ملموس. وبالمقابل، فان قوى رئيسة وفاعلة ليست ممثلة فيها.

    ان انعاش منظمة التحرير الفلسطينية، وضمان عدم ذوبانها الكامل في جهاز السلطة، يستدعي اولا، اجراء انتخابات ديمقراطية جديدة لهيئاتها، ومن ثم تحديد دقيق لتقسيم الوظائف والصلاحيات بين هذه الهيئات ومؤسسات السلطة الفلسطينية. ولا بد من استبدال نظام الكوتا والمحاصصة بنظام يقوم على اساس الانتخاب الديمقراطي. واذا كان هناك اتفاق على ان يصبح اعضاء المجلس التشريعي المنتخبين اعضاء ممثلين للداخل في المجلس الوطني، فلا بد من اجراء انتخابات لعدد مماثل لممثلي الشعب الفلسطيني وجالياته في الشتات.

     لقد كان الفلسطينيون يتساءلون خلال الانتخابات الرئاسية، عن السبب في ان العراقيين المقيمين في الخارج شاركوا في الانتخابات العراقية، اما الفلسطينيون، المهجرون قسرا، فمحرومون من ممارسة هذا الحق. ان توفر النية الصادقة لاشراك فلسطينيي الشتات في انتخابات المجلس الوطني، ومن ثم ايجاد الآليات المناسبة لتحقيق ذلك، سيضمن وقف تجزئة القضية الفلسطينية، وردم الهوة التي نشأت بين الداخل والخارج بعد اوسلو، وسيغلق الطريق على محاولات تصفية قضية اللاجئين، او تحويل فكرة الدولة الى حكم ذاتي منزوع السيادة. بل لعل هذه الانتخابات تساعد على بلورة آلية ديمقراطية لقيادة واستراتيجية ورؤية فلسطينية موحدة، نحن في اشد الحاجة إليها في هذه الظروف الصعبة.

    سادسا: التحول من نظام الزبائنية والتعصب الفصائلي الى تمثيل مصالح الناس. فتطور النظام الديمقراطي الفلسطيني يرتبط، كذلك، بالانتقال من نظام التبعية الزبائنية للاحزاب السياسية -حيث يقوم كل حزب وفصيل بالاعتناء اساسا بمصالح اعضائه، وتوفير الامتيازات لهم؛ من بعثات ووظائف ومساعدات وخدمات اجتماعية، بما يعمق التعصب التنظيمي والفصائلي، ويضيع حقوق الاغلبية الساحقة من ابناء الشعب- الى نظام تجتهد فيه كل قوة سياسية لتمثيل مصالح فئات اجتماعية معينة، ومناصرة سياسات تحقق تطلعاتها، وتستمد بالتالي مكانتها باقناع الناخبين بالتصويت لها، مما يجعلها مساءلة امام الناخبين عن تنفيذ السياسات التي وعدت بها، وهذا يعني تكريس وضع قانوني وعملي، تصبح فيه اجهزة الدولة -السلطة- والجمعيات والمؤسسات والبلديات في خدمة مصالح الناس، دون تمييز بينهم على اساس فئوي او فصائلي.

    ويشكل هذا التطور الاساس المتين لالغاء ما يجمع معظم الناس، حسب استطلاعات رأي حديثة، على اعتباره الشكل الابرز للفساد، وهو المحسوبية؛ سواء في التوظيف أو الترفيع أو تلقي الخدمات وحتى في الحصول على المنح الدراسية. وسيعني ذلك وضع قيود على ممارسات بغيضة، تجلت في بعض الانتخابات الطلابية الاخيرة، بتقديم منح مالية لاقناع الطلبة بالتصويت لاطراف معينة.

   سابعا: دورية الانتخابات التشريعية والرئاسية، وهي انتخابات يجب ان تجري في مواعيدها، مهما كانت الظروف. وقد كشفت الاحداث زيف الذرائع التي استخدمت سابقا لتعطيل وتأجيل الانتخابات، ومن ضمنها الواقع السياسي. فلم تكن هناك ظروف اصعب واسوأ من تلك التي سادت خلال اجراء الانتخابات الرئاسية، ومع ذلك فقد تمت بنجاح معقول. ان معرفة الاحزاب والقوى السياسية والاجتماعية مسبقا، بان المنتخَبين سيخدمون لفترة معينة، لا تتجاوز 4-5 سنوات، سيكون من اهم العوامل التي تثبت مبدأ المساءلة، والعناية بالمواطن، والاهتمام برأيه، والتواصل معه.

    ثامنا: اجراء الانتخابات الدورية للمؤسسات كافة، وخاصة النقابات العمالية والمهنية والغرف التجارية. اذ لا يعقل ان تجري الانتخابات الرئاسية والتشريعية، وفي صفوف الجمعيات الاهلية والبلديات، في حين تبقى النقابات العمالية بمعزل عن هذه العملية. ومن حق، وواجب المعلمين والعمال ان يطالبوا ويعملوا على اجراء هذه الانتخابات.

    تاسعا: حيادية الاعلام. لعل الاعلام الرسمي كان ابرز الفاشلين في الانتخابات الرئاسية، فقد اشار تقرير المراقبين الاوروبيين الدوليين الى ان التلفزيون الفلسطيني قد منح 93% من تغطيته خلال فترة الانتخابات لمرشح حركة فتح، فيما تراوح ما حصل عليه باقي المرشحين ما بين واحد الى ثلاثة بالمئة من التغطية. وتبين، رغم محاولات مراسلين شجعان عديدين، ان الاعلام الفضائي العربي ليس حياديا ولا مستقلا، وانه ايضا محكوم بمواقف سياسية، واحكام وتدخلات مسبقة.

    ويشكل الانحياز الاعلامي ابرز نقاط الضعف في النظام الانتخابي الفلسطيني، ولا بد من وسيلة لمعالجة ذلك قبل حلول موعد الانتخابات التشريعية، التي ستشهد منافسة اكثر شدة وحدة مما سبقها.

    عاشرا: سلامة القوانين الانتخابية، والاستقلالية الكاملة للجنة الانتخابات المركزية. ويشمل ذلك القبول بمبدأ التمثيل النسبي، بما يساعد على تطوير الحياة السياسية الديمقراطية، وبنسبة لا تقل عن نصف عدد اعضاء المجلس التشريعي، بالاضافة الى ضمان تمثيل حقيقي وفعال للمرأة الفلسطينية، بنسبة لا تقل عن عشرين بالمئة للمقاعد كافة، وليس ثلثها فقط، كما تقترح القراءة الثانية التي أقرها المجلس التشريعي، وفتح الباب لمشاركة اوسع للشباب الفلسطيني، بالاضافة الى اجراءات مثل الغاء السجل المدني الذي سبب فرضه على لجنة الانتخابات المركزية بلبلة واسعة، وادى الى حدوث تجاوزات وصلت حد التصويت المتكرر، وتشويه العملية الانتخابية خلال انتخابات الرئاسة.

    وقد اشار تقرير المراقبين الاوروبيين بهذا الصدد، الى ان قرار المجلس التشريعي استعمال السجل المدني في عملية التصويت، بالاضافة الى سجل الناخبين المسجلين، وضع عبئا هائلا على كاهل العملية الانتخابية. فالسجل المدني غير موثوق به (وهو موروث من سلطة الاحتلال بالمناسبة)، واثر استعماله بشكل سلبي على الادارة الصحيحة لعملية التصويت.

    وقد زاد الطين بلة، ما يشير اليه تقرير المراقبين الدوليين: "بان قرار لجنة الانتخابات المركزية تغيير اجراءات الانتخابات في الساعات الاخيرة، اتخذ بعد ضغط جدي وثابت من السلطة، وادى الى اقدام بعض مسؤولي الانتخابات على تقديم استقالاتهم. وان مثل هذا الضغط يعتبر غير مقبول في اية انتخابات ديمقراطية، وعلى القيادة الفلسطينية ان تعمل بقوة لضمان عدم تكرار مثل هذه الحوادث، التي تضر بنوعية ومصداقية العملية الانتخابية.

    ان طريق الديمقراطية لم تكن يوما سهلة، ومن المؤكد ان شقها لن يتم بدون قوى ديمقراطية، تسعى جاهدة ودون كلل لدفع عملية التطور الديمقراطية، وإزالة الشوائب والنواقص التي تعترض طريقها.

    واذا كان البنيان الديمقراطي يوفر للمواطن الفلسطيني حقوقه وامنه ومستقبله، فما من شك انه قد غدا شرطا حيويا لانقاذ القضية الوطنية من مخاطر التصفية، ومؤامرات شارون التي لا تنقطع، لتشويه فكرة الدولة وتقرير المصير بتحويلها الى حكم ذاتي هزيل، معدوم الصلاحيات، في اطار نظام تمييز عنصري "ابارتهايد"، لا يمكن ان يقبله الشعب الفلسطيني او يتعايش معه.

    قديما قال الخليفة الراشد، عمر بن الخطاب: "متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم امهاتهم احرارا". وما من شك في ان الاحرار وحدهم يستطيعون تحقيق حرية شعبهم من عبودية الاحتلال، والاضطهاد العنصري.

التعليق