محمود عباس في مواجهة الاستحقاقات والمطالب الأميركية

تم نشره في الجمعة 20 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

الجولة التي قام بها الرئيس الفلسطيني وزار فيها من اليابان والصين، بدأها بشرم الشيخ ولقاء الرئيس حسني مبارك وأنهاها بهما تمهيدا للزيارة المنتظرة التي ينوي القيام بها إلى واشنطن ولقاء الرئيس الأميركي جورج بوش في السادس والعشرين من شهر أيار الجاري.

ومنذ أشهر يستعد الرئيس الفلسطيني لهذه الزيارة، وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون قد سبقه بزيارة مماثلة في شهر نيسان الماضي، وتأجلت زيارة عباس كما نسبت إليه وسائل الإعلام في حينه، بسبب (ضيق في اليد)، أي لأنه لم يكن لديه ما يقدمه للرئيس الأميركي مما تعهد به في قمة شرم الشيخ!

على ذلك الأساس تأجلت زيارة عباس لواشنطن، وتحركت السلطة لتوفير ما يجعل الزيارة ممكنة. ومعروف أن المطلوب من عباس والسلطة الفلسطينية تنفيذ المرحلة الأهم من اتفاق (التهدئة) والمتعلق بهيكلة الأجهزة الأمنية وإعادة بنائها، ثم البدء بما يفيد التحرك نحو الإصلاح الإداري، والتحضير للانتخابات التشريعية في موعدها منتصف تموز المقبل، وأخيرا وهو الأهم في قائمة الطلبات الإسرائيلية-الأميركية المتعلقة بجمع سلاح المطلوبين ونزع سلاح منظمات المقاومة وتدمير بناها التحتية.

فمن جهة، تحققت (إنجازات) أصبح معترفا بها على صعيد هيكلة الأجهزة الأمنية، وتحركت هذه الأجهزة في الأسابيع الماضية بنشاط فجمعت أسلحة المطلوبين في أريحا ثم في طولكرم. ولوحظ أن لهجة وزارة الداخلية الفلسطينية أصبحت أكثر (حزما) في مخاطبة منظمات المقاومة ونجج الناطق باسمها توفيق أبو خوصة في عكس إصرار الوزارة على عدم السماح بالإخلال بحالة التهدئة القائمة بالرغم من كل الخروقات الإسرائيلية لها والتي بلغت في إحصاء أخير أكثر من ثلاثة آلاف خرق تشتمل على القتل والاعتقال والدهم .. وكانت نتيجة النشاط الذي قامت به السلطة الفلسطينية ووزارة الداخلية والأجهزة الأمنية أن أشاد كل من بوش ورئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية الجنرال فركش بالجهود التي يبذلها عباس لتنفيذ ما تعهد به. وكان المنسق الأميركي الجنرال وورد هو آخر المعترفين بهذه الجهود وما تحقق من خلالها من (نجاحات)!

نتيجة لتلك (النجاحات) نفذت الطائرات الإسرائيلية مؤخرا غارة على خان يونس، وفي الوقت نفسه وقع أكثر من اشتباك بين الشرطة الفلسطينية وأكثر من فصيل فلسطيني مقاوم من بينها كتائب شهداء الأقصى. الدم الفلسطيني الذي يدعي الجميع أنه (خط أحمر)  سال فعلا وصبغ الخطوط التي سال عليها في أكثر من بقعة في قطاع غزة والضفة الغربية!

وأثناء وجوده في طوكيو وبكين، تحدث عباس عن خطة (خريطة الطريق)، كما طلب المساعدة من العواصم التي زارها، لكنه في تلك العواصم ومنها أدلى بتصريحات أفادت أنه يعول على (المساعدة الأميركية المباشرة على الصعيد السياسي والمالي).

قد يكون مع الرئيس الفلسطيني الحق في تعويله على (المساعدة) الأميركية، وذلك لأكثر من سبب: أنه لا أحد، لا عربيا ولا دوليا، يستطيع مساعدته، إن لم تساعده الولايات المتحدة الأميركية، ولأنه بهذا متطابق مع منهجه في حل الصراع مع إسرائيل، وكل مراهناته قامت -قبل أن يصبح رئيسا- على هذا المنهج. وكان  واضحا وصريحا فيهما طوال الوقت، ربما لآنه يعرف خطط شارون أكثر من غيره، ويعرف  أن شارون لا ينوي إعطاء الفلسطينيين شيئا حقيقيا بصرف النظر عمن على رأس السلطة الفلسطينية، سواء كان ياسر عرفات أو كان محمود عباس أو حتى لو كان محمد دحلان!!

وهكذا يمكن القول إن عباس لا يثق بشارون ولا بنواياه أو خططه، لكنه يثق أو مجبر على أن يثق ببوش ونواياه. وإذا كانت ممارسات شارون وحكومته وجيشه تؤكد أنه لا إمكانية لمنح شارون أي قدر من الثقة، فإن مواقف بوش وتصريحاته، وضماناته التي أعطاها لشارون، لا تعطي مبررا حقيقيا للثقة ببوش أو بتصريحاته ووعوده.

مع ذلك، فإن كل ما أقدم عليه الرئيس الفلسطيني وأقدمت عليه الداخلية الفلسطينية وأجهزتها الأمنية حتى الآن، ليس سوى (مبادرات حسن نية) تجاه بوش وإدارته ومحاولة منهم لإرضائهما تمهيدا للزيارة التي سيقوم بها في نهاية الشهر الحالي لعله بذلك يحقق فيها بعض النجاح.

التعليق