الشروط العشرة لبناء نظامٍ ديمقراطي في فلسطين (1/2)

تم نشره في الجمعة 20 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

خطت فلسطين من خلال الانتخابات الرئاسية، وما سبقها وتبعها من انتخابات محلية وتشريعية، خطوة هامة وواسعة نحو بناء نظام ديمقراطي، وقد انفتح افق واسع لتكريس ما يمكن تسميته "السابقة الديمقراطية الاولى في المنطقة". وبتسارع وتيرة الانتخابات المحلية ومن ثم التشريعية، يبدو ان هذا الانجاز تحولٌ لا رجعة عنه، نحو بناء نظام ديمقراطي.

ولما كان من غير الممكن أن يتعايش نظام حكم الحزب الواحد او العائلة الواحدة مع الديمقراطية، فان الحديث يدور عن القبول بمبدأ "تداول السلطة" بالطرق السلمية. ولعل مجموعة من الاستنتاجات الرئيسة تبدو واضحة عند تحليل مغزى نتائج الانتخابات الرئاسية.

الاستنتاج الاول، عدم جواز المبالغة في اهمية ما جرى، مثلما لا يجوز التقليل من اهميته. فقد مثلت الانتخابات الرئاسية الفلسطينية اول منافسة ديمقراطية جدية على قمة هرم السلطة في تاريخ العالم العربي الحديث. ولم تكن صدفة ان تحدث هذه الانتخابات تأثيرا واضحا على العالم العربي، وان توقظ او تلفت الانتباه لاول نهوض، منذ مدة طويلة، لحركات معارضة عربية ديمقراطية ليست ذات طابع ديني. ورغم العبث غير المبرر، والضغوطات التي مارستها السلطة واجهزتها على لجنة الانتخابات المركزية، مما ادى إلى خرق القانون في الساعات الثلاث الاخيرة، فيما بدا انه نكسة في السلوك والاداء نحو الماضي، فان العملية الديمقراطية بقيت على درجة عالية من السلامة. وتعزز ذلك لاحقا في الانتخابات البلدية التالية.

ويبدو واضحا، من خلال دراسة تجربة انتخابات الرئاسة، بما في ذلك الخروقات، والتدخلات، والاستمرار في استخدام اجهزة السلطة لصالح مرشح معين، اننا نتحدث عن عملية تطور نحو النظام الديمقراطي، وليس عن فعل نهائي لمرة واحدة. والنتيجة المؤكدة، ان مبدأ التعددية السياسية قد تكرس، ومبدأ المنافسة الديمقراطية اصبح واقعا، وان الشرعية القيادية لا يمكن ان تكتسب في فلسطين بعد اليوم الا عبر الانتخابات الديمقراطية.

اما الاستنتاج الثاني، فهو ان نظرية استقطاب المجتمع الفلسطيني بين حركتي حماس وفتح، لم تكن يوما وليست الان صحيحة. لقد جرى الترويج، في الغرب والاعلام الاسرائيلي، طويلا لهذه النظرية، غير ان الانتخابات الرئاسية اثبتت وجود تيار ثالث، ديمقراطي وقوي ومؤثر، ولولا ذلك لما استطاع مرشحه الحصول على ما لا يقل عن 22% من الاصوات الصالحة رسميا، وما يصل الى 30% من الاصوات عند حذف الاثار الناجمة عن خرق القانون، والتصويت المتكرر الذي جرى في الساعات الثلاث الاخيرة، وتبعثر جزء من الاصوات بين عدد من المرشحين. بل ان استطلاعات الرأي تشير، منذ عدة سنوات، الى وجود اغلبية كانت صامتة لا تقل عن 40%-45% من الفلسطينيين، ممن ليسوا جزءا من الاستقطاب بين فتح وحماس. وقد استفادت حركة حماس من عدم وجود تيار معارضة ديمقراطي واضح المعالم، وحصدت معظم اصوات المعارضة في كثير من المناسبات، على قاعدة الميل الشعبي العام ضد الفساد وسوء الادارة، واخطاء السلطة الفلسطينية.

لقد ظهرت قوة التيار الديمقراطي في تحالف المبادرة الوطنية واللجان العمالية المستقلة والجبهة الشعبية والمستقلين "خلال انتخابات الرئاسة"، كما ظهرت قبل ذلك في التحالفات الديمقراطية التي نشأت في النقابات المهنية المختلفة. وما من شك ان قوة هذه التيار ستتعزز ان انضوت في اطاره كل قوى المعارضة الديمقراطية، كما ان قبول جميع الفصائل بوقف الانشطة العسكرية، واعلان التهدئة، وانضواء الحركات الاسلامية في النظام السياسي، يفتح الباب على مصراعيه لتطور نمط المقاومة والكفاح الشعبي الجماهيري، الذي برز من خلال القوى الديمقراطية ومؤسسات المجتمع المدني.

الاستنتاج الثالث، ان انتخابات الرئاسة، والتنافس الذي جرى بين سبعة مرشحين، وحدة التنافس الجدي بين اول مرشحين، قد كرس التعددية السياسية، مثلما كسر حاجز الخوف لدى بعض قوى المعارضة. فقد اتضح للجمهور ان الكثير من الوعيد والتهديد الذي اطلقه البعض خلال الانتخابات كان فارغ المضمون، مثلما ان الكثير من المغريات التي تم عرضها بدت زائفة في الاسبوع الاول بعد الانتخابات.

والخلاصة، ان الاندفاع والجرأة للمشاركة السياسية سيكون اكبر في المستقبل، ويثبت في فلسطين ما ثبت في بلدان كثيرة قبلها، ان الديمقراطية تتحقق بالنضال من اجلها، ولا يمكن ان يكون هناك نضال ديمقراطي دون قوى معارضة ديمقراطية حقيقية وفعالة.

اما الاستنتاج الرابع، فيتعلق بتبديد الوهم الذي يجري الترويج له، بان الاصلاح الشامل والدمقرطة ستحدث من داخل السلطة نفسها، ومن داخل الحزب الحاكم، او ان بعض القوى الصغيرة تستطيع ان تركب قاربين في نفس اللحظة، بان تكون مشاركة في الحكم القائم، ومبحرة في قارب المعارضة الديمقراطية في آن واحد.

لقد وفرت الانتخابات الرئاسية فرصة للجمهور للمفاضلة بين برامج ورؤى وتوجهات مختلفة، سواء على صعيد النضال الوطني، او الاصلاح الداخلي، او ما يتعلق بالقضايا الاجتماعية. كما ان البرامج التي طرحت تشكل اساسا للمساءلة من الآن فصاعدا، وفي ذلك تكمن جدية النظام الديمقراطي.

ولعل دراسة معمقة لنتائج استطلاعات رأي المصوتين خلال يوم الانتخابات، والتي حدد بعضها صفات ودوافع المصوتين، تظهر مدى ضخامة الطاقة الكامنة لدى تيار المعارضة الديمقراطية.

فالذين صوتوا له كانوا عموما من الاصغر سنا، والاكثر تعليما، والذين يريدون حلا جذريا للقضية الفلسطينية، وتطهيرا شاملا للفساد والمحسوبية. كما غلب عليهم طابع كونهم من العاملين في القطاعات الانتاجية المستقلة عن الجهاز الحكومي، وكان اغلبهم من المستقلين سياسيا. وبالطبع فقد اثر ضخامة عدد العاملين في الجهاز الحكومي على نتائج الانتخابات بصورة واضحة.

ان الانتخابات الحرة المباشرة هي شرط لا غنى عنه لاي نظام ديمقراطي، غير ان الانتخابات وحدها لا تعني وجود نظام ديمقراطي. ولا شك بان انتخابات الرئاسة قد كشفت عدة عيوب واشكاليات اساسية، تمثل عقبات لا بد من تجاوزها ان اردنا بناء نظام ديمقراطي حقيقي. وسنحاول فيما يلي استعراض اهم هذه العقبات، التي تمثل ازالتها شروطا لبناء نظام ديمقراطي.

اولا: انهاء الاحتلال. فاستمرار الاحتلال الاسرائيلي، وما يرافقه من تقطيع لاوصال الاراضي الفلسطينية، كان ولا يزال العقبة الرئيسية في بناء نظام ديمقراطي كامل. واذا كان الاحتلال عائقا للممارسة الديمقراطية، فان واجبنا افشال تحوله الى مانع لهذه الممارسة. وذلك مغزى النهج الذي اعتبر الانتخابات الديمقراطية وسيلة مقاومة كفاحية سلمية. ولذلك كان تحدي اجراءات الاحتلال، والوصول إلى القدس، والاصرار على اشراكها في الانتخابات، امرا حتميا. ومن البدهي ان الديمقراطية لن تكتمل ما لم يتم انهاء الاحتلال، وتجربة الانتخابات الرئاسية، وما رافقها من اعتداءات واعاقات واعتقالات، وتمييز بين المرشحين، هي مجرد دليل على ذلك.

ثانيا: فصل الحزب الحاكم عن جهاز السلطة والدولة المنشودة، واقرار قانون للاحزاب السياسية، بما في ذلك قانون لتمويل الاحزاب. اذ تقتضي الديمقراطية الحقيقية تكافؤ فرص الاحزاب والقوى السياسية كافة في خوض الانتخابات، ويحرم القانون على اي مرشح او حزب استغلال اجهزة السلطة لصالحه.

ومن المعروف ان حركة فتح، بحكم دورها التاريخي، قد تصرفت كحزب حاكم ومسيطر تماما على منظمة التحرير، وبعد ذلك على السلطة الفلسطينية، على مدار حوالي اربعين عاما. واذ يسجل لفتح رفضها مصير جبهة التحرير الجزائرية، وقبولها الاحتكام للانتخابات الديمقراطية، فان مصلحتها، ان ارادت الحفاظ على قدرتها التنافسية وشروط النظام الديمقراطي، تقتضي انفصالها عن جهاز السلطة المدني والامني. ولهذا الانفصال ثلاثة ابعاد:

أ- الفصل الذهني: اي القبول من حيث المبدأ باحتمال فوز حزب او حركة منافسة بالانتخابات، وبالتالي تسليمها لموقع القيادة. وهذا يعني التخلي عن فكرة ان السلطة والثورة والدولة هي ميراث لحزب او قائد، مهما علا شأنه. فوضع شروط واضحة للعلاقة بين الحزب الفائز والسلطة امر في مصلحة الجميع، بما في ذلك فتح، اذا ارادت ان تعود لاستلام مقاليد السلطة في حال فقدانها، ومن خلال نفس الانتخابات الديمقراطية.

ب- الفصل البيروقراطي: وهو فصل يطالب به العديد من قادة حركة فتح، وخاصة من الاجيال الشابة، الذين يجدون انفسهم مطالبين بتحمل مسؤولية ما وقع من فساد وسوء ادارة واداء في اجهزة السلطة، وان كان يصعب على الكثير منهم تصور امكانية التخلي عن عادات الاستفادة من امتيازات السلطة واحتكارها. وليس من السهل الاستخفاف بصعوبة تحقيق هذا الفصل، الذي يعني الاعتماد على الحزب وصلته بالجماهير وتمثيله لمصالحها، دون الاتكال على اجهزة السلطة وموظفيها واجهزتها الامنية ومواردها المالية. ويكفي ان نذكر في هذا المجال ان موظفي الاجهزة الامنية، وغالبيتهم الساحقة من فتح، يصل عددهم الى 58.000 شخص، من بين 133.000، اي ما يعادل 44% من مجموع موظفي الدولة، الذين يكلفون خزينتها 938 مليون دولار سنويا. وقد يبدو الامر للبعض ضريبة قاسية، ولكن قسوتها تهون عند مقارنة ذلك بما يقود له استمرار الوضع القائم من انهيار جارف، كانت انتخابات بلديات غزة العشرة مجرد مؤشر لها.

ج- الفصل المالي: اي منع استخدام او احتكار مقدرات السلطة ودخلها المالي من الضرائب والرسوم، لصالح حزب او مجموعة فصائل. وللانصاف، فلا بد من القول، ان الاستفادة المالية تمتد لتشمل عددا من الفصائل، لا يتجاوز حجم بعضها اعشار بالمئة من التأييد الشعبي.

ان الديمقراطية لا تتجزأ، والنظام الديمقراطي ليس آليات شكلية تستخدم لاستمرار الوضع القائم او للمناورة. وبالتالي، فليس من الممكن تصور انتخابات ديمقراطية حقيقية دون اقرار قانون للاحزاب، بما في ذلك قانون لتمويل الاحزاب من الدولة، يحمي هذه الاحزاب من تدخل اطراف اجنبية او خارجية، ويوفر لها تمويلا يتحدد بمقدار التأييد الشعبي الذي تحظى به في الانتخابات. وقد حلت الانظمة الديمقراطية هذه المعضلة بتحديد تمويل مالي للاحزاب من موازنة الدولة، يتناسب طرديا مع النسب التي تحققها في الانتخابات العامة. وهكذا، فان المواطن يقرر بنفسه، من خلال تصويته، ليس فقط حجم التأييد الذي يمنحه لكل حزب، بل وايضا حجم التمويل الذي يناله هذا الحزب من الاموال التي يقدمها المواطن نفسه كدافع للضرائب. ويساعد على ذلك تحديد قانون الانتخابات الجديد لسقف اعلى للصرف المالي على الحملات الانتخابية.

ثالثا: فصل القضاء عن السلطة التنفيذية، وانشاء نظام قضاء مستقل. ولا يحتاج هذا الامر، كما نظن، لشرح او تفصيل. فما من قضية كتب فيها، وبحث في ابعادها، وجرى انفاق الملايين في التدريب على انشائها، مثل قضية انشاء نظام قضائي مستقل. ومع ذلك، لا توجد حتى الآن اية خطوات ملموسة في هذا الاتجاه.

وبدون قضاء مستقل لا يوجد سيادة للقانون، ولا مساواة امام القانون، بل لا توجد مرجعية للنظام السياسي والعلاقات المجتمعية بكاملها.

التعليق