الصندوق الأسود

تم نشره في الأربعاء 18 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

يسمع الناس بمصطلح الصندوق الاسود عندما تحدث كارثة لاحدى الطائرات، فتسقط او تنفجر. وأول ما يبحث عنه المحققون هو هذا الصندوق، الذي يضم جملة من المعلومات والاتصالات التي تكشف، او على الاقل تقدم، ادلة وتصورا لأسباب الكارثة. وما يضمه هذا الصندوق من معلومات لا يخضع للاكسسورات والتزييف، فهو تسجيل لمجريات الاحداث كما هي.

وفكرة الصندوق الاسود ليست خاصة بالطائرات فقط. فعندما يذهب زعيم من حكم بلاده، ويسقط نظامه، يُخرج النظام الوريث ما يسميه اسرار وفضائح الحكم السابق، ويبدأ الناس بالاستماع الى قصص حول القمع، أو البذخ والثراء الفاحش، او الممارسات الشاذة، مع ملاحظة ان الانظمة الوريثة قد تتجاوز الموضوعية، وتضع في محتويات الصندوق اضافات من عندها.

وعلى صعيد اية دولة، فهناك لكل حكومة صندوق اسود، فيه توضيح للعلاقات، وما خفي عن الناس من صفقات ومصالح ومنافع. وفيه ايضا توضيح لأسباب هيمنة هذا الوزير على مقاليد الحكومة، او اقالة ذلك الوزير، او المجيء بشخص، لم يسمع به الناس، وزيرا او مسؤولا رفيعا. وفي هذا الصندوق ايضا اختبار لمدى مصداقية الحكومات، عندما تعلن انها لا تحمل اجندة خاصة، او ان هذه الادعاءات تأتي في بداية كل حكومة ثم تتولد الاجندات الخاصة مع مرور الايام وتداخل المصالح.

وفي الصندوق لأي حكومة تصديق او تكذيب لما تتداوله مجالس الناس عبر السنين، حول صفقات مالية، وعطاءات، وعمولات، وتعيينات، لا علاقة لها بأجندة الوطن. وكم استفاد هذا المسؤول من موقعه، سواء  بشكل مباشر او عبر تسهيل اعمال شركات اقاربه واصدقائه، علما بأن عالم المال لا يعترف بالصدقة والعمل لوجه الله.

والصندوق الاسود للحكومات وافرادها في اي مجتمع يظهر شبكات العلاقات، والفهلوة، والصفقات التي يتقنها البعض، ليتحول وجوده في المواقع المتقدمة الى مطلب دولي، ويدخل اسمه الى قوائم هذه المواقع بضغط من جهات لا تقوى الدول الصغيرة على مقاومتها، او رفض طلباتها.

ولمجالس النواب وافرادها صناديق سوداء، تحمل اسرار تحالفات ما قبل الانتخابات، واسس ترشيح الافراد للانتخابات، سواء من احزابهم او قواعدهم الاجتماعية، وما يصاحب هذا من مكائد و"كولسات" غير مقبولة، حتى في اوساط من يقدمون انفسهم كرمز للقيم، وحملة التغيير والاصلاح الاجتماعي. وفي هذه الصناديق جملة علاقات النائب مع الحكومات، وما اخذ وما اعطى، وما الذي اخذه مقابل موقف او تمرير قضية، وما هي معايير المواقف والنظرة الى الناس وحوائجهم، وما مدى وجود المصلحة العامة في معادلات كل فرد.

وللاحزاب والاشخاص صناديق سوداء، فيها اسرار العلاقات الداخلية والخارجية، واختبار لمدى مصداقية الحديث عن احترام الثوابت، والبراءة من اية ولاءات خارجية، وحقيقة قوة الحزب وحضوره، التي لا تتناسب احيانا مع البيانات والخطابات.

الصندوق الاسود اكثر شمولا في الوصول الى الحقائق من دور ديوان المحاسبة، او وزارة مراقبة الاداء الحكومي. وفي هذه الصناديق اجابات شافية عن سؤال لم ننجح حتى الان بانجاز تشريع له، وهو: "من اين لك هذا". ففي هذه الصناديق اجابات لثراء البعض، واحيانا لتزايد نسب الفقر والفقراء.

هذا الصندوق لو توفر للبرامج والخطط السياسية والاقتصادية والاجتماعية، لعرفنا ما هو الجاد منها، والمستند الى فرص النجاح، وما هو جزء من الضجيج الاعلامي، ومحاولة صناعة الوهم!

التعليق