الأميرعبد الله يحمل رسالة قصيرة إلى دمشق

تم نشره في الجمعة 13 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

 تتوالى الضغوط على دمشق، وبوتيرة متزايدة. وتتكاثر التصريحات التي تقول صراحة ما كان يقال همساً. وعادة ما تسبق التصريحات أفعالٌ على الأرض، وذلك في محاولة للقول: إن الأفعال باتت تسبق الأقوال. وهذا ما ترجمه الرئيس الأميركي بوش في مطلع أيار الحالي، بتمديد العقوبات التي فرضتها واشنطن على سورية بموجب "قانون محاسبة سورية"، الذي أقره في الحادي عشر من أيار 2004. و قد برر بوش قراره بالقول: "إن أعمال وسياسات الحكومة السورية لازالت تمثل تهديداً استثنائيا وغير عادي للأمن القومي، والسياسة الخارجية، واقتصاد الولايات المتحدة"، وأنه "سيمدد لمدة عام" القرار الطارئ الذي "يجمد ممتلكات أفراد معينين، ويحظر تصدير أو إعادة تصدير سلع معينة إلى سورية"، متهماً دمشق بـ"مواصلة احتلال لبنان، ودعم الإرهاب، وتطوير أسلحة الدمار الشامل وبرامج صواريخ (في إشارة إلى صفقة الصواريخ التي اشترتها دمشق مؤخراً من روسيا، والتي وصفها الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، في زيارته إلى إسرائيل بأنها لن تسمح للطيران الإسرائيلي بالتحليق فوق قصر الرئيس السوري)، وضرب الجهود الأميركية والدولية التي تبذل من أجل الاستقرار وإعادة الإعمار في العراق".

من وجهة نظر بعض المحللين، فإن "خطة هجوم" على سورية هي قيد الإعداد، إذا لم تكن قد أخذت طريقها إلى التنفيذ. وهذا ما يفسر ذلك الترويج من قبل المحافظين الجدد والمسؤولين الإسرائيليين، للتخلص من النظام السوري. لا بل إن مدير المخابرات الإسرائيلية، أهارون زئيفي فاركاش، ذهب علناً، في مقابلة مع صحيفة يديعوت أحرونوت، إلى الحديث عن الأشهر المعدودة لبقاء الرئيس السوري في الحكم، وراح يتحدث عن البدائل من داخل النظام، ممثلة في صهره، قائد المخابرات العسكرية، اللواء آصف شوكت (يديعوت أحرونوت 29 نيسان 2005). وكشفت صحيفة فايننشال تايمز، مع بداية هذا الشهر، عن موافقة الكونغرس الأميركي مؤخراً على تمويل جماعات المعارضة السورية، التي يقودها السوري فريد الغادري، والتي سبق لها أن اجتمعت في واشنطن مع لجنة من الخبراء الأميركيين في الشأن السوري، برئاسة اليزابيث تشيني، ابنة نائب الرئيس الأمريكي ديك تشيني، وراحت اللجنة تعرض على المعارضة السورية ما سمي بـ"الخيارات العشرة" لتغيير النظام (الحياة 1/5/2005)، وذلك على غرار الوصايا العشر التي جاء بها الكتاب المقدس، والتي تقوم على حصر النظام السوري وعزله دولياً، والعمل على إضعافه، أو شن عمليات عسكرية عليه تقوم بها إما إسرائيل، بالنيابة، أو الولايات المتحدة، بحجة "السيطرة على معاقل الإرهابيين"، كما جاء في الجلسة. وقد تولى هايتر فرانس، أحد أعضاء مجلس الأمن القومي والعضو في الفريق الذي تترأسه اليزابيت تشيني، شرح كل البدائل، أو السعي إلى إسقاط النظام السوري عبر انقلاب عسكري من الداخل، وهذا ما يتفق مع وجهة النظر الإسرائيلية التي عبر عنها رئيس المخابرات العسكرية الإسرائيلية كما أسلفنا.

البدائل كثيرة، من العقوبات إلى الحصار وإضعاف النظام، إلى احتمال القيام بانقلاب عسكري، إلى دعم المعارضة السورية -وذلك على غرار المعارضة العراقية- بالمال والسلاح، إلى مغازل "الاخوان المسلمين" السوريين، تحت راية البحث عن الإسلام المعتدل. وهذا يعني، من وجهة نظر كثير من المحللين الاستراتيجيين كما القريبين من دوائر صنع القرار، أن الإدارة الأميركية بدأت تتحرك فعلاً نحو بلورة سياسة إزاء سورية، تستند أساساً إلى هدف تغيير النظام. وهذا ما أكده فلينت ليفريت، المسؤول البارز السابق في إدارة بوش فيما يخص الشأن السوري، في كتابه الجديد "وراثة سورية: معمودية نار بشار"، والذي يذكرنا بكتاب بوب وود وورد "خطة هجوم"، والذي يفضح فيه مساعي الرئيس بوش للهجوم على العراق، التي أعدت من يوم توليه السلطة، مع فارق أساسي، أن كتاب "خطة هجوم" صدر بعد احتلال العراق، أما كتاب ليفريت، فقد صدر في سياق البحث عن البدائل لتغيير النظام في سورية، وليفضح هذه الخطط والألاعيب.

ما يقلق الكثير من الغيورين على سورية والخائفين عليها، أن تزايد الضغوط على دمشق لا يقابل باستنفار فيها، بل ببطء شديد ميّز السياسة السورية في السنوات الأخيرة، وكان شاهداً على أن النظام قد فقد بوصلته، وأن عينه باتت حسيرة. و الشاهد على ذلك هي كثرة الأخطاء التي مارستها السياسة السورية، من التمديد للرئيس اللبناني، إميل لحود، وحتى استشهاد الرئيس رفيق الحريري، إلى تأخر الإصلاح في الداخل ...الخ.

في هذا السياق المحموم، والتدافع للبحث عن بدائل، تأتي زيارة الأمير عبد الله الخاطفة إلى دمشق، وبصورة أدق، إلى مطار دمشق (قيل إنها لم تتجاوز نصف الساعة، في خلوة ثنائية بين الأمير عبد الله والرئيس السوري). فهذه الزيارة تأتي في إطار التنسيق السعودي-السوري-المصري لمواجهة الأزمات. و يبدو لنا أن نصف ساعة لا يمكن إلا أن تحمل مزيداً من التحذيرات والصراحة التي عهدها السوريون من الأمير السعودي: إنكم تحت المجهر الأميركي الذي يبحث عن زلاتكم وأخطائكم الكثيرة، وما أنجزتموه من انسحاب في لبنان جيد، وهذا هو موضع رهاننا نحن والفرنسيون عليكم، شرط أن لا ترجعوا من النافذة اللبنانية بعد أن خرجتم من الباب، فالرئيس الأميركي معروف عنه ولعه بـ"ربيع بيروت"، وعشقه الواهم لرياح الديمقراطية التي تهب من بغداد إلى بيروت. سوف نقف إلى جانبكم، شرط أن تقفوا أنتم في مواجهة مع أنفسكم. أضف إلى ذلك، أن الراعي الأميركي، الذي يسوق العالم بعصاه باتجاه التغيير الذي يوافق هوىً أميركياً ونشوة دينية، لا يستطيع أحد دفعه. وإذا كنتم تراهنون على خسارته في العراق، فهو يملك من البدائل الكثير، وحذارِ حذارِ أن تدفعوا بالدب الأميركي إلى كرمكم!

إنها واحدة من أهم الوصايا العشر للنظام السوري. وقديماً قالت العرب: "النصيحة بجمل"، فهل سيستنفر النظام السوري قواه لمواجهة التحدي الذي يهدد باقتلاعه، أم أنه كعادته سيهمل ذلك تحت وطأة إيقاعه البطيء؟!

التعليق