الضحايا الأميركيون في العراق.. بعيدون عن العين بعيدون عن القلب

تم نشره في الأربعاء 11 أيار / مايو 2005. 03:00 صباحاً

لم نر الكثير من صور رجالنا ونسائنا العسكريين الشجعان الذين عادوا من العراق في توابيت ملفوفة بالأعلام. ففي السنوات الماضية، اعتقدت إدارة بوش بأن الكشف عن مثل هذه الصور لن يكون شيئاً جيداً، وبأن التعتيم كان يرمي إلى عدم الانتقاص من احترام خصوصية عائلات الجنود.

وفي الشهر الماضي، كشفت وزارة الدفاع عن مئات من صور التوابيت، ربما استجابة لاحتجاج قانوني، أطلقه رالف بيغليتر (Ralph Begleiter)، وهو أستاذ في جامعة ديليوير، كان ذات مرة مراسلاً لمحطة "سي إن إن". إن قتلى الأمة في الحرب، كما قال، هو شأن جماهيري حيوي، وإن الكلفة البشرية لأية حرب، يجب أن تندرج في عناصر أية قضية تتعلق بصنع السياسات.

في جمهورية ديمقراطية، والتي تضع حرية الصحافة على رأس قائمتها المتعلقة بالمطالب الدستورية، ليس ثمة طريقة للالتفاف على حقيقة وجود انتحاريين، والخسائر الأميركية المتصاعدة (فقد قتل أكثر من (1592) من الأميركيين حتى الأسبوع المنصرم) أو تصاعد ضحايا القتل بين المواطنين العراقيين.

وبحلول الذكرى الثلاثين لحرب أميركية أخرى، قتل فيها أكثر من (58000) أميركي، فإن دروس فيتنام تتموضع ثقيلة على كاهل النفسية القومية لهذه الأمة. ونحن نريد للديمقراطية أن تنتصر في العراق وأفغانستان، لكن معظم الأميركيين يبدون وكأنما يخافون من مواجهة الحقيقة، ويفضلون تغليف حقيقة الحرب بالسكر. إنهم يريدون قصصاً "إيجابية"، عن المدارس التي تفتتح في العراق وأفغانستان، وعن النساء اللواتي يصبح لهن حضور أكبر في حكومتيهما، وعن كل القضايا الحيوية للتقدم، والضرورية لوضع الشرق الأوسط على طريق الديمقراطية.

ومع ذلك، فإن الإعلام الإخباري لا يمكن له، بضمير مرتاح، أن يقلل من قيمة موجة الهجمات، التي اضطرت قوات التحالف الأميركية والعراقية إلى التعرض لها، ناهيك عن تجاهل تلك الحملات أساساً. وقد بدأ الأميركيون يدركون أن مساعدة العراقيين على إقامة حكومة ديمقراطية حقيقية، تمثلهم فعلاً، سوف تأخذ وقتاً أطول، وقدراً أكبر من الشجاعة. ومن المؤكد أن الانتخابات العراقية قد شكلت لحظة من الشجاعة الهائلة والأمل.

والسؤال المطروح الآن هو: كم يستطيع الأميركيون، والآخرون في تحالف بوش، من الراغبين في تحقيق تلك الأهداف أن يظلوا محافظين على رغبتهم تلك؟

منذ غزو الولايات المتحدة للعراق بهدف إسقاط صدام حسين، فإن (12243) من أفراد الجيش الأميركي قد جرحوا، وفقاً لوزارة الدفاع، ويريد الكثيرون من أعضاء الكونغرس من إدارة بوش أن تقوم بتحديث المعدات واللوازم الدفاعية التي تحتاجها القوات الأمريكية بإلحاح. وقد أصبح من غير المعقول أن نحاول خوض هذه الحرب دون تزويد جيشنا بأفضل سبل الحماية الممكنة. ومع ذلك، فثمة مؤشرات متصاعدة على أننا قد واظبنا على إرسال شبابنا إلى الموت، بسبب إبقاء يدنا مغلولة إلى العنق.

وثمة تلك الفضائح، حول غض المسؤولين طرفهم عن التعذيب، مضافة إلى صور السنة الماضية، التي تعرض المعتقلين العراقيين وهم يتعرضون للتعذيب في سجن أبو غريب، مما ترك الكثير من الأمريكيين في حالة من التشوش إزاء مهمة الولايات المتحدة، حتى لقد أصبح الدعم الشعبي للحرب على العراق في أدنى مستوياته، منذ الغزو عام 2003. ويقول 50% بأن الحرب لم تكن تستحق عناء خوضها، كما كشف استطلاع أجراه معهد غالوب لصالح صحيفة "يو أس توداي"  ومحطة "سي إن إن"، ما بين التاسع والعشرين من نيسان والأول من أيار.

ولا تزال حادثة تجريد العميد جانيس كاربنسكي من رتبتها في الأسبوع الماضي، تطرح أسئلة أكثر مما تتقدم إجابات. فقد قالت كاربنسكي إن الجيش يضم وحدات كانت قد أشرفت عليها، بما فيها تلك التي تخدم في أبو غريب، والتي كانت تتعامل مع المعتقلين تماماً كما كان ضباط المخابرات الأميركية قد أمروها. فهل كانت كاربنسكي كبش الفداء الذي يشكل غطاء على كل ذلك؟.

إن الآلاف من الأميركيين الذين لا يزالون يخاطرون بحياتهم، يستحقون معرفة الحقيقة. كما أن عائلات تلك الأرواح الشجاعة، التي تعود في التوابيت الملفوفة بالأعلام، تستحق ذلك أيضاً، وليس أقل.

التعليق