السيستاني لجائزة خدمة الإسلام وليس نوبل فقط!

تم نشره في الاثنين 2 أيار / مايو 2005. 02:00 صباحاً

  قبل عدة أسابيع، رشح الكاتب الأمريكي المعروف توماس فريدمان الزعيم الشيعي آية الله  السيستاني لجائزة نوبل، وذلك لدوره في دعم إجراء أول انتخابات حرة في العراق، ووقوفه بحزم ضد الداعين لتأجيلها. إنني اثني على دعوة فريدمان، بل أرشح السيستاني لأعرق جائزة في بلادي، وهي جائزة داعية التضامن الإسلامي، المغفور له الملك فيصل رحمه الله لخدمة الإسلام.

    أما مسوغاتي فهي غير تلك التي لدى فريدمان وغيره، واعتقد أنها ادعى واهم، وهي سعيه الحثيث لمنع وقوع حرب أهلية بين الشيعة والسنة في العراق، بإلحاحه على اتباعه من العراقيين الشيعة باللجوء إلى الحكمة والصبر على آذى الغلاة المنسوبين إلى السنة والسلف، الذين لم يخفوا يوما نيتهم للزج بالعراق وأهله في أتون حرب أهلية طاحنة لا تبقي ولا تذر، ولا يخرج منها منتصر، ورفضه الحاسم الانتصار لهوى النفس والرغبة في الانتقام.

    اعلم أن دعوتي هذه ستثير غضب وتعجب كثير من القراء، ذلك أننا في حالة استقطاب طائفي، بعدما جررنا في غفلة، إلى مستنقع كراهية ضد الشيعة، بفضل ثقافة غريبة طارئة تسربت إلى إسلامنا السمح. وتفوح رائحة هذه الكراهية صريحة من وراء أسماء مستعارة في كثير من مواقع الحوار العربية على الإنترنت، وتحديدا للآسف تلك المحسوبة على الإسلام. أو تتسرب هذه الكراهية ضمنا في مقالات وتعليقات في بعض الصحف والفضائيات، عندما لا يتورع كاتب أو معلق عن قذف جمل من نوع  "إن الشيعة متحالفون مع الاحتلال، وكأن التاريخ يعيد نفسه" أو "ها هو ابن العلقمي يطل علينا برأسه من جديد".

    يجب أن نعترف أن قدرا من التعصب ضد الشيعة قد استقر في نفوسنا وعقولنا. وخليط من القصص المتخيلة، ونظريات المؤامرة، وروايات مزعومة نلوكها ونكررها في مجالسنا، وكأن الشيعة قد أتوا من كوكب آخر، وليسوا مواطنين يجاوروننا الحي أو المدينة.

    لا بد أن نزيل هذه الستر الحاجبة فيما بيننا، ولا اعتقد أن هناك افضل من علماء الدين للقيام بهذه المهمة. فلا أحد يدعو إلى إلغاء حالة الاختلاف العقدي بين السنة والشيعة، وإنما المطلوب هو إلغاء حالة الاستعداء والتكفير والكراهية، التي صنعت من حولنا بيئة مناسبة ترعرعت فيها أشواك الكراهية التي نراها في العراق، وتحديدا في أشلاء شباب أحداث، اعتقدوا أن تفجير أنفسهم وسط جمع من الشيعة سيكون شفيعا لهم إلى الجنة.

     لابد من قوانين تجرم فعل صناع الكراهية، حتى بالرأي والقول والفتوى. فالمجتمعات الصحيحة لا تقوم بتجزئة أطرافها بالتنابذ، وإنما تكون مجتمعات واحدة متسامحة، حظ الجميع فيها متساو مع ما يبذلون من جهد وعمل، وطن يستظل الكل بسمائه الواحدة وحكومته الوطنية العادلة.

    إن هذه المواقع على الإنترنت التي بات لها الباع الأطول في نشر ثقافة الكراهية ضد الشيعة ليست مجهولة الهوية، وأصحابها معروفون ويجب أن يتحملوا مسؤولية فعلهم، مثلما يتحملها رئيس تحرير صحيفة مطبوعة. فالمسألة ليست مجرد رأي وفضفضة، وإنما أمن وطن ومستقبل أمة، بحيث لا تحتمل التجاهل واللامبالاة. ومثلما يجب أن يحاسب الشيعي الذي يمزق وحدة المسلمين بتعرضه لثوابت الأمة، يجب أن يحاسب غيره الذي يمزق نفس الأمة.

    إنها حالة تشبه "العداء للسامية" التي نجح اليهود حول العالم في محاصرتها بعدما زجت بهم في المحرقة النازية، بل إنهم تجاوزا الحد في ذلك، واستغلوها ليرهبوا كل من ينتقد فعلهم، بما في ذلك احتلالهم لأرض الغير، وظلمهم للشعب الفلسطيني.

     يجب أن نعترف أن هناك ما يمكن وصفه بـ"حالة عداء للشيعة" تؤدي إلى الكراهية والطرد والإقصاء، بل وحتى القتل، وما خبر تفجير مساجدهم وقتل مصليهم في باكستان ببعيد، فردوا على الجريمة بجريمة في حق مواطنيهم السنة هناك. ثم انتقلت هذه الحالة، وبشكل ابشع، إلى العراق، فكان آخرها اختطاف وقتل 50 شيعيا، ألقي بهم على ضفاف دجلة. لكن في العراق كان هناك من منع رد الكراهية بكراهية مماثلة، والدم بدم مثله، إنه السيستاني. أفلا يستحق إذن تكريماً من أهل العقل والحكمة؟

    ألم يلاحظ أحد أن شيعة العراق لا يردون على القتل بمثله، رغم أن المتفجرات تملأ العراق، وتقنية السيارات المفخخة أسهل علينا من صنع طائرات الايرباص العملاقة. ومسخ العقل، صنعتنا، يجيدها الشيعي المتعصب مثلما حذق فيها السني المتعصب أيضاً. بل إن الشيعي جربها مارسها، وغرق في فتنتها في زمن الحرب العراقية-الإيرانية، عندما كان آيات الله يباركون الانتحاريين، ويعلقون في رقابهم مفاتيح بلاستيكية، قالوا لهم إنها دليلهم إلى جنة ونعيم وحور عين! فمثلما يستطيع الجهادي المتحالف مع البعثي وضع سيارة مفخخة أمام مسجد للشيعة، يستطيع الشيعي أن يفعل الأمر نفسه أمام مسجد للسنة في يوم جمعة أراده الله لجمع المؤمنين، فجعلوه يوما للقتل والتفريق. ومثلما يستطيع الأول جز الرقاب، فإن الثاني قادر على أن يجز مزيدا منها. لكنهم لو فعلوا لدخلوا جميعا في دائرة دم حمراء قانية، لا يخرجون منها أبدا، فما أكثر الرقاب البريئة والمساجد والمتفجرات! لكن الشيعي لم يفعل ذلك.

    هل لاحظتم هذا يا علماءنا وقادتنا؟ وبالتالي، ألا يستحق علماء الشيعة في العراق مبادرة من علماء السنة ترد على حكمتهم بحكمة مماثلة، وتقول لهم أحسنتم، نؤيدكم في فعلكم، ونشجب معكم فعل هؤلاء الذين نسبوا أنفسهم إلى أهل السنة والجماعة والسلف الصالح ظلما وبهتانا؟ لو فعلوا ذلك فإنهم ينصرون أولا إخوانهم من سنة العراق، الذين اختطفت قضيتهم، وحرموا من حقهم التاريخي عندما زين لهم أكثر من شيطان أن يقاطعوا الانتخابات، فضيعوا فرصتهم الطبيعية أن تكون لهم كلمة في صنع دستور وطنهم من خلال الجمعية الوطنية الحالية. وإن بقي لهم دور فيها، فإنهم يحصلون عليه تفضلا وتكرما من إخوانهم الشيعة والأكراد.

    ماذا لو قام وفد يضم مفتي المملكة العربية السعودية وشيخ الأزهر والشيخ القرضاوي، وغيرهم من علماء الأمة، بزيارة للسيستاني في بيته المتواضع في النجف، فشدوا على يده وباركوا جهده، ودعوا من هناك إلى وحدة العراقيين، واستنكروا الجرائم التي تتم ضد المواطن والشرطي ورجل الدولة العراقي، من قبل من لا يستحقون سوى اسمهم الحقيقي "المكفراتية"؟ سيصفعون جمعيهم وقتها أولئك الغلاة، في صفنا وصفهم، وسيحوزون جميعا جائزة اكبر من جائزة نوبل، وهي جائزة العبودية لرب رحيم غفور، وسيحولوننا جميعا إلى مسلمين وكفى.

Jamal@khashoggi.com

 

التعليق