عن جديد العلاقات الأميركية السورية!

تم نشره في الثلاثاء 26 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

   تختلف قراءة المجرى أو المسار الذي يمكن أن تتخذه العلاقات السورية الأميركية باختلاف تفسير غرض الولايات المتحدة من النظام السوري، وما إذا كانت ترمي الى إحكام العزلة والحصار حوله تمهيداً لإسقاطه، أم أنها ستقف عند حدود إجباره على إنجاز تغييرات نوعية في البنية السياسية السورية، وتفكيك السيطرة الشمولية في علاقة السلطة مع المجتمع، أو ربما ستكتفي بما درجت عليه من ممارسة للابتزاز فقط، لإخضاع ذلك النظام للمطالب الأميركية، وتحوير دوره الإقليمي بما يخدم مخططاتها؟ وبمعنى آخر، هل يحتمل أن تحمل السياسة الأميركية موقفاً جذرياً جديداً من النخبة الحاكمة في سورية، أم أن الأمر هو استمرار لنهج الولايات المتحدة البراغماتي في تمرير مصالحها، ومبادلة العودة إلى صمتها عن "الداخل السوري" بتنازلات يقدمها الحكم في صيغ تعاون صريح وملموس لتعزيز السيطرة الأميركية في المنطقة؟

     فيما مضى كانت الإدارة الأميركية مطمئنة نسبياً إلى الروح العامة التي تحكم السياسات الإقليمية السورية، باعتبارها روح تفاهم وتوافق لا روح تحد وصدام، لكن اختلفت الأمور نوعياً بعد احتلال العراق، وما ترتب على ذلك من افتراق في المصالح، وجفاء وتوتر، ومن ثم تصعيد أميركي غير مسبوق ضد السلطة السورية، تجلى مؤخراً بما عرف عن دور أميركي فاعل في إصدار القرار 1559، فاستدعاء السفيرة الأميركية من دمشق اثر اغتيال رئيس الوزراء اللبناني رفيق الحريري، واتخاذ قرار أممي بتشكيل لجنة تحقيق دولية لكشف اللثام عن مرتكبي هذه الجريمة النكراء، ناهيك عن تواتر إصرار الرئيس الأميركي على إتمام انسحاب القوات السورية من لبنان قبل انتخابات هذا الأخير النيابية، ربطاً مع ما يشاع عن نصائح أميركية لإسرائيل كي تهمل المبادرات السورية للعودة إلى طاولة المفاوضات، وأخرى للأوروبيين بالتشدد في اشتراطات توقيع عقد الشراكة مع سورية، تلاها إعلان رسمي، وللمرة الأولى، عن لقاء مسؤولين في وزارة الخارجية الأميركية مع معارضين سوريين مقيمين في الخارج، وكأن الغرض من ذلك توجيه رسالة حازمة الى النظام السوري بأن ثمة بديلا يتم تحضيره عملياً على صورة التجربة العراقية ومثالها، ثم كان أخيراً وربما ليس آخراً الأخبار التي يجري تداولها إعلاميا عن توجه داخل الكونغرس لإصدار قانون يعتبر حزب البعث منظمة إرهابية، بما يعني جواز معاملته أسوة بالتنظيمات والأحزاب المدرجة على لائحة الإرهاب!
 
     ربما لم يعد من المبكر القول إن العلاقات الأميركية السورية تشهد منعطفاً نوعياً، وأنه غدا من اجتهادات الماضي ربط تطور هذه العلاقات بسير الأوضاع أمنياً وسياسياً في العراق وفلسطين. فما يميز التصعيد الأميركي اليوم أنه يتم في شروط وتطورات جديدة، تعطيه معناً وأفقاً جديدين.

     أولها تجديد ولاية الرئيس الأميركي بوش كتعزيز لدور المحافظين الجدد، وما يحملونه من رؤية وسياسات خاصة لإعادة تشكيل المنطقة، أو لكونهم بالحد الأدنى، أكثر قيادات البيت الأبيض تحرراً من الحاجة لمراعاة مصالح الأنظمة العربية ومشاعرها. وثانيها، نجاح الانتخابات العراقية، ووضوح إرادة أكثرية العراقيين في تغليب وحدتهم وعملية بناء دولتهم الديمقراطية على ما عداها، بما في ذلك انخفاض العمليات العسكرية وآثارها السياسية، إضافة إلى ما كشفته تحقيقات عراقية عن ضلوع أجهزة أمنية سورية في مساندة فلول النظام السابق. أما ثالث تلك التطورات، فهو تحقق شبه إجماع فلسطيني حول النهج السلمي للقيادة الفلسطينية الجديدة التي انتخبت بعد رحيل الرئيس عرفات. ويتمثل التطور الرابع في فشل الجهود السورية في إحياء تحالفاتها القديمة التي خلقت لها حدا من التوازن في مواجهة الإرادة الأميركية، فأخفقت زيارتا موسكو وطهران في تفعيل الدورين الروسي الإيراني الداعمين لها تاريخياً.

فروسيا محكومة بحساباتها الخاصة، ومنشغلة بمتابعة التطورات النوعية التي تجري على حدودها، في كل من أوكرانيا وقرغيزيا. أما إيران فتعاني من حصار أيضاً بسبب ملفها النووي، وربما تحتاج هي ذاتها إلى من يساندها. فيما يتجسد الحدث الخامس في نجاح واشنطن في توحيد إيقاع سياستها مع الحلفاء الأوربيين وفي طي ملف الخلافات التي نشأت جراء تفردها في قرار الحرب على العراق. وأخيراً، ما خلفته جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري من إعادة رسم مشهد جديد من المواقف والاصطفافات العربية، خصوصاً مصر والسعودية، ما أزاح القسم الأهم من الغطاء والدعم العربيين للنفوذ السوري المشرقي، ربطاً مع ارتفاع نجم الصف اللبناني المعارض وتقدم دوره سياسياً وشعبياً ضد الدور والوجود العسكري السوري في لبنان.

     فربطاً مع التطورات السابقة تبدو إدارة البيت الأبيض طليقة اليدين تجاه ما تسميه نظاماً عصياً، وأكثر تحرراً من حاجتها للمقايضة والتفاهم مع الحكم السوري، ما يرجح أن نشهد مرحلة جديدة في العلاقات السورية الأميركية عنوانها القطيعة والمواجهة، قد لا تقف عند حدود تقليم أظافر النظام، بل تتطلع الى تغيير جذري في البنية الداخلية، ربما تفضي الى إطاحته كما تدعو نصائح متعددة لأكثر من معهد أميركي معني بشؤون المنطقة.

      وهنا تجدر الإشارة، وبغض النظر عن تكتيكات السياسة الأميركية التي وضعت موضع التنفيذ، إلى أن إدارة البيت الأبيض رفعت اليوم من سقف اشتراطاتها، كما من عزمها وجديتها في التعاطي مع النظام السوري. ويظهر أن هناك إصراراً قاطعاً على تجريده من نفوذه الإقليمي تماماً، ومن الأوراق كافة التي يملكها للتأثير في استقرار المنطقة، بما في ذلك إنهاء دوره، فعلياً لا شكلياً، كملاذ آمن أو داعم لبعض الفصائل الفلسطينية ولحزب الله، كي تطوى المقولة التي راجت لعقود بأن "لا حرب من دون مصر ولا سلام من دون سورية"، وإلغاء القاعدة التي ما فتئ الإعلام الرسمي يكررها بأن سورية طرف لا غنى عنه لتحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة!

      لكن ثمة اعتبارات تدخل في الحسابات الأميركية، وفي حسم خيارها تجاه مستقبل النظام السوري، أهمها الموقف الأوروبي الذي لا يزال يبدي تحفظاً شديداً على إجراء انقلاب دراماتيكي في البنية السياسية السورية، أو إزاحة سريعة للسلطة الحاكمة. وترشح المعلومات عن وجود دور أوروبي لتهدئة حماس واشنطن، وأن الأوربيين يتخوفون من حصول فوضى جراء التغيير الجذري، قد تخلط الأوراق الى درجة العجز عن إعادة الإمساك بها أو السيطرة عليها. ويرفد الموقف الأوروبي اجتهادات أميركية تتخوف أيضاً من احتمال انفلات الأوضاع، وخسارة ما تمت مراكمته من خطوات حتى الآن. فلا تزال التسوية الفلسطينية تعاني من صعوبات وتتقدم ببطء شديد، ولا يزال الوضع العراقي محفوفاً بالمخاطر الأمنية كما السياسية.

 كذلك، فإنه ليس ثمة بديل موضع ثقة واطمئنان يمكن أن يخلف النظام السوري، فالمرجح عندهم أن تتقدم لسد الفراغ تيارات إسلامية لم تختبر سياساتها الداخلية والإقليمية بما يكفي! لكن يبدو اليوم أن الاجتهادات السابقة لا تحظى باهتمام جدي في البيت الأميركي، فهناك من يجد "أن إدارة الفوضى خير من هدر الوقت والجهد في العلاقة مع نظام البعث السوري"، وثمة إشارات عديدة تفصح عن تراجع مخاوف واشنطن بشأن احتمال وصول تيار إسلامي معتدل الى السلطة، مستندة في بناء موقفها الجديد الى التجربة التركية كمثال ناجح!

التعليق