مخاوف شارون من انتهاء تنفيذ خطته

تم نشره في الأحد 24 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً

    "نجح" رئيس الحكومة الاسرائيلية آرييل شارون، من وجهة نظره، في ايجاد الذريعة التي تجعله يؤجل تنفيذ خطة اخلاء مستوطنات قطاع غزة، واربع مستوطنات في وسط شمالي الضفة الغربية لثلاثة اسابيع، بادعاء ان الموعد الاصلي يتزامن مع الأسابيع الثلاثة التي يعتبرها اليهود المتدينون اسابيع "حزن"، لأنها فترة حصار القدس وتدمير هيكل سليمان المزعوم في العام 70 ميلادي، وان الشريعة اليهودية تحظر على اليهود نقل مساكنهم في هذه الفترة.

     بداية قد يتساءل البعض: علام هذه الضجة؟ فكل الحديث يجري عن ثلاثة اسابيع، فما هي هذه الفترة من أصل 38 عاما من الاحتلال والاستيطان! ولربما في نظرة أولية، ولمن لا يعرف خفايا الأمور، قد يبدو هناك اساس لهذا التساؤل، ولكن حين نعلم ما هي دوافع شارون، وماذا يعني التأجيل، فسنكون على يقين ان هذا التأجيل سيكون الحلقة الأولى في مسلسل المماطلة. حتى ان تخوفا كهذا جاء ايضا، على لسان رئيس مجلس الأمن القومي الاسرائيلي الجنرال غيورا آيلاند.

     حين وضعت الحكومة الاسرائيلية التاريخ الأول، وهو العشرون من شهر تموز القادم، فقد تم أخذ عدة أمور بعين الاعتبار. أولها، كما فسّرت ذلك حكومة شارون نفسها، هو ان تكون هناك فترة كافية من موعد بدء الاخلاء وحتى افتتاح السنة الدراسية المدرسية في الأول من ايلول، ليتسنى لابناء المستوطنين الانخراط بمدارسهم الجديدة من اليوم الأول للسنة الدراسية.

كذلك فإن الاجهزة الامنية الاسرائيلية قالت بداية انها تحتاج الى 12 اسبوعا لإنهاء الاخلاء، ثم انخفضت المدة الى ثمانية اسابيع، وهناك من يتحدث عن ستة اسابيع. لكن من يتابع سير الأمور مع جهات اليمين المتطرف، وكيف يتصرف المعارضون، واساليبهم العنيفة من جهة، وتساهل السلطات الاسرائيلية معهم من جهة أخرى، يعرف ان الاخلاء سيستمر لفترة اطول مما خططت له الأجهزة الأمنية الإسرائيلية.

    وهذا يعني ان هاتين النقطتين "الهامتين جدا"، المدارس والحجج الدينية، حسب ما قالته حكومة شارون، قد سقطتا. فموعد الاخلاء الجديد سيبدأ في منتصف شهر آب، أي قبل اسبوعين فقط  من بدء السنة الدراسية، فيما سيستمر الإخلاء في أحسن الاحوال لستة اسابيع، وهو ما يبدو شبه مستحيل، مما يعني ان الاخلاء سينتهي، على الأقل، في نهاية شهر ايلول، او اوائل شهر تشرين الأول القادمين، وهذه الفترة هي فترة أهم اعياد بالنسبة لليهود، ففيها رأس السنة العبرية ويوم الغفران وعيد العرش.

     وأكثر من هذا، ففي الخامس من شهر ايلول سيبدأ شهر "ايلول العبري"، وهو آخر أشهر السنة العبرية، الذي تكثر فيه صلوات الغفران والرحمة لدى اليهود. وعمليا، فإن هذا سيكون اعتبارا دينيا جديدا لشارون، ليعلن انه ليس بمقدوره استكمال خطة اخلاء المستوطنات في هذا "الشهر الحساس" دينيا. وإذا ما قرر التأجيل، فهذه المرّة سيكون حتى نهاية شهر تشرين الأول، الأمر الذي بدأ بعض الوزراء في الحكومة بالحديث عنه فعلاً.

    وهناك عدة عوامل تنسف بدعة "مفاجأة" شارون وعدم انتباهه للتاريخ الأول. فبحسب القانون الاسرائيلي، لا يمكن لأي مؤسسة حكومية ان تحدد أي موعد او تصدر رسالة أو وثيقة حكومية من دون وضع التاريخ العبري الى جانب التاريخ العالمي (الميلادي)، وأكثر من ذلك، فإن من وضع التاريخ الاصلي هو رئيس دائرة الشؤون المدنية لاخلاء المستوطنات، يونتان باسي، وهو شخص متدين جدا من التيار "الديني الصهيوني القومي"، الذي يحيي بشكل خاص ذكرى "خراب الهيكل" وغيرها من هذه المناسبات، التي تنتشر بكثرة في الرزنامة العبرية. ولهذا فإن عامل "المفاجأة" يجب أن يسقط حالا، وكل ما في الأمر أن شارون وجد في هذه المناسبة فرصة للتأجيل.
 
    إلا أنه برغم كل ذلك فإن الاخلاء سيتم، وهذا ليس لأن شارون غيّر جلده، وأنه يسعى الى خلق اجواء جديدة، وانما لأنه وضع خطة اخلاء هذه المستوطنات من اجل مشروعه الأكبر، الذي لم يعد يتستر عليه، بل وكرره مجددا وبوضوح في سلسلة من المقابلات الصحفية التي اجراها مع وسائل الاعلام الاسرائيلية يوم الجمعة الماضي، والتي قال فيها انه قرر "التضحية" بمستوطنات قطاع غزة من اجل صيانة وتعزيز وتوسيع الاستيطان في الضفة الغربية. وحتى ان كبير مستشاريه، المحامي دوف فايسغلاس، قال هذا قبل اقرار الخطة نهائيا في الكنيست، ولهذا فإن شارون لا بد وان ينفذ هذا المخطط.

    ولكن لماذا التأجيل؟ حين وضع شارون مخططه اعتقد انه بتنفيذه سيكسب فترة هدوء كبيرة على مستوى الصراع الاسرائيلي الفلسطيني، وأن الأسرة الدولية ستصمت لفترة، لكن شارون اصطدم بما توقعناه مسبقا، وهو ان العالم سيسأله: وماذا بعد؟ ولدى شارون اجابة لا يستطيع ان يجاهر بها. فأقصى ما يريد شارون تقديمه هو ثلث مساحة الضفة الغربية المحتلة منذ العام 1967، وهو يسعى لفرض اكثر ما يمكن من وقائع على الارض تصعّب الانسحاب من اكثر من ذلك. ولهذا فقد بدأ شارون البحث عن مخارج، وحاول تجربة "الشماعة" القديمة الجديدة، وهو ان يحرّض الادارة الامريكية ضد قيادة الرئيس الفلسطيني محمود عباس، بادعاء انه لم يحارب ما يسمى بـ "الارهاب"! وانه لم ينفذ التزاماته في خطة خارطة الطريق، هذه الخطة التي نسفتها حكومة شارون من أساسها، وتخرقها يوما بعد يوم، من خلال الاستيطان وجدار الفصل العنصري.

    لكن شارون لم يجد في الادارة الامريكية آذانا صاغية في ما يتعلق "بالتحريض" ضد ابو مازن، وهنا ايضا لم تغير الادارة الامريكية طبيعتها، ولكنها لا تستطيع ان تخرج للعالم مرّة ثانية في حملة دعائية يريدها شارون، كانت قد قامت بها ضد الرئيس الراحل ياسر عرفات. فأوروبا التي لم تنخرط بغالبيتها الساحقة في الحملة ضد ابو عمار، كيف بإمكانها اليوم ان تنضم لحملة ضد ابو مازن، وواشنطن ليست معنية بفتح جبهة جديدة مع اوروبا.

    وعمليا فإن شارون عاد خائبا من واشنطن، وسارع في البحث عن مخارج. فهو بحاجة للتأجيل، ومثل هذا التأجيل سيبعده عن الاجابة الصريحة عن سؤال وماذا بعد؟، وسيقربه الى الانتخابات البرلمانية، التي هي فرصة لجعله بعيدا كليا عن أي ضغوط دولية لفترة لا تقل عن ستة اشهر، قبل وبعد، ولكن هذه فترة ثمينة بالنسبة لشارون لمواصلة مشاريع الاستيطان في الضفة الغربية.

    أضف الى هذا أن شارون معني بنشاط قوى اليمين المتطرف والارهابي ضد اخلاء المستوطنات، وكلما ازدادت هذه المعارضة حدة، خدمت شارون في رسالته للعالم، بأن اخلاء هذا العدد من المستوطنات قد أدى الى مثل هذا التصعيد، هذا فكيف سيكون الوضع مع انسحابات أكبر.

    ويجري الحديث اليوم في اسرائيل عن محاولات تهدئة ومنع العنف، وبالإمكان القول بشكل حازم، انه لو اختفت هذه المعارضة فإن شارون سيخلقها من جديد، وكلما طال مشهد "عنف المعارضين"  استفاد شارون أكثر، على الأقل من وجهة نظره.

التعليق