"زلماي زاد" السفير الأميركي الجديد في بغداد

تم نشره في الأحد 17 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً

يسميه السياسيون في العاصمة الاميركية واشنطن بـ "الملك زاد" (King Zaad)، ورغم ما يعرف عنه بميله للمرح وارتداء الملابس الأنيقة ذات التصاميم الفرنسية، إلا أنه يعرف أيضاً بلسانه "غير الدبلوماسي"، الذي اغضب عدداً من زعماء العالم.

رشح الرئيس الامريكي "زلماي خليل زاد" لتولي منصب سفير واشنطن في بغداد، بعد أن خدم كسفير في افغانستان عقب الإطاحة بحكومة طالبان، مما يؤشر على أهمية الرجل لخدمته في أهم بلدين في السياسة الامريكية بعد احداث الحادي عشر من أيلول 2001.

لعب زاد ادواراً متنوعة في السياسة  الامريكية منذ خدمته في وزارتي الخارجية والدفاع، ومجلس الأمن القومي. فهو مهندس الحرب الامريكية على افغانستان، والذي رسم معالم السياسة الأميركية تجاهها بعد إعلان "الحرب على الارهاب".

كما انه هو من سعى الى تحقيق المصالح الامريكية النفطية في منطقة آسيا الوسطى وجنوب شرق آسيا، ليعد أحد اهم الخبراء في تشكيل السياسة الامريكية النفطية / الجيوبولتيكية،  لا سيما وأنه عمل مستشاراً لاثنتين من اهم شركات النفط الامريكية، شيفرون ويونيوكول.

ولد " زلماي خليل زاد " في مزار الشريف في أفغانستان عام 1951 لأحد الموظفين. وأتيحت له، ومن جراء موقع والده كعين من اعيان الدولة الافغانية، فرصة الحصول على منحة دراسية في الجامعة الأميركية في بيروت، ومنها حصل على شهادة البكالوريوس، قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة ويحصل على شهادة الدكتوراة من جامعة شيكاغو عام 197، وهي الجامعة المعروفة بفرزها للاتجاه المحافظ في السياسة الامريكية. ويبدو أن ذلك قد رسم معالم خدمته السياسية في الولايات المتحدة الامريكية بعد حصوله على الجنسية الامريكية،  إذ برز " زاد " كشخصية سياسية قريبة من أوساط المحافظين وصقورهم.

فقد عمل خلال الفترة 1985 – 1989 ( وهي الحقبة الريغانية اليمينية المشهورة) في وزارة الخارجية كمستشار في شؤون الحرب العراقية-الايرانية والحرب الافغانية، وعمل مطلع التسعينات مساعداً لـ "ولفويتز" في وزارة الدفاع، كما انه خدم في عهد الرئيس الديمقراطي "كلينتون"، لينتقل بعد ذلك الى مؤسسة "راند كوربوريشن" احد أهم مراكز التفكير الأمريكية.

والحديث عن "راند" يذكر بجانب اخر  في حياة "زاد" السياسة، يرتبط بالعالم الاسلامي بشكل واضح، وهو ما أثير مؤخراً. فقد نشرت "راند كوربريشن" خلال العام 2004  دراسة بعنوان: "الاسلام المدني الديمقراطي"  تدعو الى توجيه الجهود لاضعاف "المتطرفين"  في العالم الاسلامي وتهميشهم من خلال دعم "التقليديين"، وتغيير معالم القوى الأساسية في العالم الاسلامي لتتناسب والمصالح الامريكية في المنطقة. ومعدة هذه الدراسة، التي أثارت جدلاً كبيراً في العالم الاسلامي، هي النمساوية شارل بينارد، والتي هي في الواقع زوجة "زلماي خليل زاد". وإضافة إلى دراستها هذه، فإن بينارد روائية وعالمة اجتماع، لها مجموعة روايات تنقد، إن لم نقل تهاجم في بعض منها، العديد من القيم الاسلامية.

وفيما يتعلق برؤيته لافغانستان، لم يقتصر ارتباط زلماي خليل زاد بافغانستان بالمولد والاصول فقط، ولا بعمله كمستشار في حقبة "الجهاد الافغاني" ضد الاتحاد السوفياتي، بل إنه، وخلال توليه منصب المستشار لشركتي "يونيكول" و"شيفرون" النفطيتين، سعى لاقناع طالبان بفكرة تأسيس انبوب نفطي يربط تركمانستان بافغانستان وباكستان. كما عمل آنذاك على توثيق صلات الادارة الأمريكية بنظام طالبان، الذي كان يعتقد انه الأقدر على  لملمة شرذمة الدولة الافغانية، داعياً إلى الاعتراف بطالبان، بل ومدها بالمساعدات الانسانية لاعادة اعمار افغانستان، باعتبار "أن طالبان لا تمارس اصولية مناهضة للولايات المتحدة، كما  تمارسها ايران" برأيه.

إلا أنه، ومع احداث الحادي عشرمن أيلول 2001، انقلبت الآية، وسقط مشروع شركة يونيكول، أو اتخذ ابعاداً مختلفة،  وعين "زاد" مستشاراً للرئيس بوش للشؤون الافغانية، وقد كتب حينها معالم السياسة الامريكية الواجب اتخاذها تجاه افغانستان، ورأى بضرورة تفتيت نظام طالبان من الداخل من خلال دعم التحالف المناوىء له، والذي عرف لاحقاً بتحالف الشمال، وطالب إذاعة صوت امريكا بزيادة ساعات البث باللغات الافغانية، وممارسة الضغوط، بنفس الوقت، على باكستان لوقف دعم طالبان. وقد شكلت رؤاه بالفعل معالم السياسة الامريكية في حربها على افغانستان.

أما على صعيد العراق، فهناك عدة ميزات لـ"زلماي خليل زاد"، برأي مؤيديه، لتوليه منصب سفير واشنطن في بغداد. فهو مسلم، ويتقن اللغة العربية، ويرتبط بصلات جيدة مع أفراد الحكم العراقي الجديد، بحكم عمله سفيراً، أو مبعوثاً فوق العادة، لإدارة الرئيس الامريكي بوش لدى المعارضة العراقية عقب الحادي عشر من أيلول. وقد كان منسقاً لمؤتمرين أساسيين للمعارضة العراقية (كما كانت تعرف آنذاك) عام 2002، أولهما في منطقة كردستان العراق، أما الثاني والأهم فهو مؤتمر لندن الذي أعد المنتدون فيه برنامجاً سياسياً لمرحلة ما بعد سقوط نظام صدام حسين، والذي سقط بالفعل بعد شهور أربعة.

مع ذلك، فإن من الواضح، ان تسمية خليل زاد لمنصب السفير الثاني للعراق خلفاً للدبلوماسي المرتبط بالكثير من السياسات الاخلاقية في امريكا اللاتينية، "جون نغربونتي"، والذي عين مسؤولا عن دوائر الاستخبارات الامريكية، تحمل ابعاداً عدة. فمع تزايد المقاومة العراقية، واللجوء إلى تدريب القوات العراقية المحلية لتولي مسألة مواجهة تلك المقاومة، ومع اعلان تشكيل الحكومة العراقية، يبدو أن الولايات المتحدة ستفكر، منذ الآن بمخرج من العراق، ولكن باقل الخسائر وأكثر الارباح، ولعل الغنيمة الكبرى الأساسية تبقى النفط.

وعلى ذلك  فإن وجود شخصية بحجم "زلماي خليل زاد" الخبير السياسي/النفطي، والمستند الى علاقات قوية مع الحكام الجدد، يبدو الانسب لعقد صفقات تضمن استمرار النفط وتدفقه نحو الولايات المتحدة، فالتاريخ يشير إلى أن مستعمراً لم يغب عن أرض المستعمرة (بفتح الميم) إلا وترك فيها من يضمن تحقيق اهداف استعماره، ولعل "زاد" الأقدر على القيام بتلك المهمه من بغداد الآن، حتى يغادرها كما غادر كابل من قبل.

التعليق