خيمة ثريا

تم نشره في الأحد 17 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً

الحمد لله الذي جعل بعض المسؤولين الحكوميين يدخلون الى بيوت الاردنيين الفقراء في بلدة الحميمة التابعة للواء القويرة. ولولا قيام جلالة الملك بهذه الزيارات وتفقده هذه المناطق واعطائؤه اهتماماً للمشكلات الفردية والعامة لسكان هذه المناطق المظلومة، لما رأينا وزراء ومدراء ووسائل اعلام تدخل خيمة ثريا ابو زيتون ومنفية ابو جعبية. ولولا الجانب الرسمي للزيارة لاعتقدنا اننا نشاهد برنامجا عن التراث او لقطات من مسلسل بدوي، وليس بيوت مواطنين اردنيين تحت سيادة حكومات تعاقبت، مع آلاف المرات من (الايمان المغلظة) من هذه الحكومات، ومعهم النواب بأداء الواجبات الموكولة اليهم بأمانة.


وبلدة الحميمة واحدة من عشرات المناطق المجهولة والمظلومة التي زارها جلالة الملك يوم الاربعاء الماضي، ودخل بيوت المحرومين واستمع الى مطالبهم. ورأينا بعض هذه المناطق وقد حصل اهلها على بيوت جميلة للسكن فيها في زمن لم تعد الخيام بيوتاً الا للتعبير عن حالة الظلم التاريخي الذي تعاني منه مثل هذه المناطق. والحميمة ليست بعيدة عن العقبة التي يتوافد اليها المسؤولون للراحة والاستجمام، لكنهم يمرون فيها ولا ينظرون اليها الا عبر زجاج مغلق. ولان سيارات مسؤولينا فاخرة وسريعة، فالامر لا يستدعي الكثير من الوقت حتى لقراءة اسم البلدة على لوحات المرور. وتجربة المشاريع الاسكانية لهذه المناطق الفقيرة اثبتت انها ايجابية وخطوة كريمة. من يشاهد هذه المساكن يدرك انها قدمت خدمة نوعية وبتكلفة بسيطة، فأحد المشاريع الاسكانية لم يكلف اكثر من (200) الف دينار، وهو مبلغ لا يكفي لشراء سيارتي (همر)، انها مساكن لعدد من العائلات لا تكلف اكثر من اعطيات قدمتها حكومات لاشخاص لا حاجة لهم بالمال، او لنخب لضمان تأييدها وتصفيقها.


 ان لا يتم اكتشاف هذه المناطق الا عندما يذهب اليها جلالة الملك، هو إدانة كبيرة للحكومات. ولعل ما هو اهم لدى ثريا او منفية ليس ما تحقق لهما من مطالب، بل ان يشعر  المحرومون انهم جزء من اجندة الحكومات، وانهم مشمولون بأداء اصحاب الملابس الجميلة، الذين يظهرون على شاشات التلفزيون للحديث عن رفع مستوى معيشة المواطن وتطوير الاقتصاد والعدل والمساواة والشفافية. لكنهم يشعرون بالاغتراب عن هؤلاء المسؤولين تماماً مثلما يجد بعض من تولوا المواقع الهامة حاجزاً بينهم وبين هذه المناطق واهلها بسبب ثقافة الاستشراق بما في ذلك فئات من النواب الذين يهاجرون من مناطقهم المحرومة بعد اخذ بطاقة التأهل من اهلها الى عمان ونخبها.


شكراً لجلالة الملك الذي يقترب من هذه المناطق المحرومة ويعرّف المسؤولين بأن هذه المناطق جزء من الاردن، وان على الوزراء ورؤساء الحكومات ان يخلعوا ربطات العنق، وان يسمحوا للتراب بأن يغطي احذيتهم، وللشمس ان تلفح  وجوههم وهم يزورون هذه المناطق ويقدمون بعض حقوق هؤلاء الاردنيين. ولا يمكن ان ننسى قرية المزفر التي لا تبعد عن العقبة اكثر من 20 كم، ولم نعرف عنها ولم يعرف عنها المسؤولون في حكومات سابقة حتى زارها جلالة الملك، وسمعنا حينها ان بعض اهلها لم يسمع بالدينار الاردني وانهم يتحدثون عن الجنيه، وان بعض اطفالها لم يمتلكوا حذاء، رغم ان حل بعض مشكلاتهم اقل من تكلفة بعض المطبات (الحضارية) التي اقامتها مفوضية العقبة انذاك.


وحين يقوم جلالة الملك بدخول هذه المناطق المحرومة فهذا لا يلغي واجب الحكومات في الذهاب الى كل بؤرة فقر وحرمان في ارجاء الاردن، فهذه الزيارات الملكية تذكير للحكومات بأن هناك اردنيين معنيين بالحد الأدنى من متطلبات المعيشة، وأنهم غير معنيين بصخب نُخب عمان حول كيفية الحصول على حقيبة وزارية او موقع هام، بل ان اولويتهم هي الحصول على حقيبة مدرسية لاطفالهم، وهم كذلك ليسوا معنيين بصخب التنمية السياسية وقوانين الاحزاب والنقابات وخطابات الانشاء.


وليس من المبالغة اذا اقترحنا ان يخضع المرشحون للمواقع الهامة الى امتحان كتابي يقيس مدى معرفتهم بمناطق الاردن واسماء القرى والمدن. فما دام هؤلاء يأتون وفق اسس غير مفهومة احياناً، فليقوموا بالذهاب الى الاردنيين وفقرهم، ليس عبر الاوراق و(DATA SHOW)، بل بالوصول الى بيوتهم المتواضعة وبيوت الشعر التي يواجهون بها الشتاء والصيف.

التعليق