انتقائية مجلس الأمن!

تم نشره في السبت 16 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

    منذ اليوم الأول الذي أنشئت فيه الأمم المتحدة، كان هناك من عرف وتوقع أنها لن تكون ذلك النموذج الأمثل لإرساء قواعد الحق والعدل والسلام على الأرض، ولكنها في وقتها كانت تعبيرا عن رغبة لدى مؤسسيها في التجاوب مع أماني البشرية، التي كانت قد عانت كثيرا من مآسي الحروب، لوضع قواعد معقولة لضبط استخدام القوة في حل النزاعات الدولية، بالرغم من أنه كان لا بد أن تعكس وتعمل للمحافظة على مصالح الأقوياء في هذه الحدود.

    وفي الخمسين سنة التي تلت إنشاء المؤسسة الدولية، وحتى انتهاء حقبة الحرب الباردة، نجحت الأمم المتحدة، بفضل توازن القوى الذي كان قائما في مجلس الأمن، أن تفرض نوعا من الاحترام لما أصبح يسمى (الشرعية الدولية) في حدود معينة.

     لكن، ومنذ أن أصبحت الولايات المتحدة الأمريكية القوة الأعظم الوحيدة في العالم، صار واضحا أن المصالح والرؤى الأمريكية هي التي أصبحت تتحكم بالمنظمة الدولية، وصار يراد لهذه المصالح والرؤى أن تكون البديل للمنظمة وللقانون الدولي والشرعية الدولية معا. فإما أن تتطابق المنظمة الدولية ويتطابق القانون الدولي مع هذه المصالح والرؤى والسياسات الأمريكية، وإلا فالتجاوز وعدم الاهتمام نصيبهما لدى الإدارة الأمريكية. وأصبحت وظيفة المنظمة الدولية هي تأييد ما ترسمه وما تنفذه الإدارة الأمريكية من سياسات، وبصرف النظر عن اتفاق هذه الأخيرة مع القانون الدولي أو الشرعية الدولية، والمثل العراقي أبرز الأمثلة في هذا المجال حتى الآن.

    بهذا تحول مجلس الأمن الدولي إلى دائرة تابعة للكونغرس الأمريكي أو الخارجية الأمريكية، وأصبحت قراراته تصدر تباعا بعد أن تكون قد أقرت في هاتين المؤسستين. وقد حولت الإدارة الأمريكية (مجلس الأمن) إلى (مجلس حرب) على كل من يعارض أو لا يتفق مع السياسات الأمريكية. وصارت قرارات المجلس بسبب هذه (الآلية) انتقائية ليس فيها أدنى احترام لمبادىء القانون أو مبادىء الحق والعدل، أو قواعد الشرعية. ولذلك أخذت تفقد المنظمة الدولية، ومجلس الأمن فيها على وجه الخصوص، إن لم يكونا فقدا بالفعل، كل ما كانا يمثلانه في النصف الثاني من القرن الماضي، وارتفعت أصوات كثيرة تدعو إلى إصلاح المنظمة وتوسيع مجلس الأمن على أسس تحد من سيطرة دولة أو دول بعينها عليها.

    وقبل أيام، صدر عن مجلس الأمن قرار يقضي بتسليم الحكومة السودانية متهمين بارتكاب جرائم حرب في إقليم دارفور إلى المحكمة الجنائية الدولية، وصدر هذا القرار طبقا للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة الذي قد يسمح باللجوء إلى العقوبات، وحتى إلى القوة العسكرية إن لزم الأمر لتنفيذه. 

    وقبل هذا القرار بأشهر، صدر القرار 1559 الخاص بالانسحاب السوري في لبنان. وفي الحالتين يمكن ملاحظة الهمة العالية والمتابعة النشطة لتنفيذ القرارين، وما ترافق ويترافق معهما من تهديدات شديدة وتحذيرات من عواقب عدم التنفيذ. ومعروف أنه لو لم تكن الولايات المتحدة الأمريكية راغبة في صدور هذين القرارين لما كان ممكنا لهما أن يصدرا، حتى لو كانت موجبات صدورهما متوفرة.

     والغريب والمثير للدهشة أن الولايات المتحدة سحبت قبل فترة توقيعها على نظام المحكمة الجنائية الدولية، حتى لا يخضع جنودها أو مرتكبو جرائم الحرب منهم للمحاكمة فيها! ولا غرابة في ذلك، فالأمريكيون والإسرائيليون فوق القانون الدولي وفوق الأمم المتحدة ومجلس أمنها الموقر!

    وهنا تستدعي القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، كما تستدعي المتابعة الجادة لتنفيذها من قبل المجلس والمنظمة الدولية عندما تتعلق بغير الأميركيين والإسرائيليين، تستدعي وتذكر بتلك القرارات الصادرة عنه أيضا والمتعلقة بالقضايا العربية، سواء القضية الفلسطينية بفروعها، أو قضية الأراضي العربية التي ما زالت إسرائيل تحتلها منذ ما يقرب من أربعين عاما، وتمارس عليها، أرضا وإنسانا، ما يعتبر جرائم حرب حسب القانون الدولي وقرارات الشرعية الدولية المهملة.

    فمنذ القرار 181 والقرار 194 الصادرين قبل أكثر من نصف قرن، وحتى القرارين 242 و338 الصادرين في العامين 1967 و 1973 على التوالي، والأيام تبعد بين هذه القرارات وبين تنفيذها بفضل الانحياز الأميركي والغربي لدولة إسرائيل، التي قامت على الاغتصاب، وتوسعت بالاحتلال، ومارست كل أنواع جرائم الحرب متجاهلة دائما الأمم المتحدة وقراراتها، والقانون الدولي والشرعية الدولية. ليس ذلك وحسب، بل استطاعت الولايات المتحدة الأمريكية أن تفرض على الأمم المتحدة ومجلس الأمن فيها، تبني جعل المقاومة المشروعة للاحتلال "أعمالا ومنظمات إرهابية"، ضاربة عرض الحائط بما ينص عليه ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي حول مشروعية وحق الشعوب الخاضعة للاحتلال في المقاومة.

    إن انتقائية مجلس الأمن في تطبيق ميثاق الأمم المتحدة سيقضي نهائيا، وفي فترة قصيرة جدا، على أية مصداقية باقية لهذه المنظمة الدولية وعلى نصف قرن من المحاولات لقبول أن يحتكم العالم لقواعد القانون وقواعد الشرعية الدولية ولو النسبية. وسيسرع سلوك مجلس الأمن في انهيار المنظمة، وتحويل هذا العالم إلى غابة بشرية ستكون غابة الحيوان أفضل وأعدل منها وأكثر سلاما وأمنا!

التعليق