وجها العولمة الوظيفي والسياسي..

تم نشره في الأربعاء 13 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

    مع توغل العولمة في حياة البشر، وهي تحاول أن تكسح في طريقها مختلف خصوصياتهم، وجميع التكوينات التقليدية للمجتمعات، أو تدفعها نحو العطالة والعجز عن الإتيان بأي فعل مثمر، ثمة موقفان متطرفان تميزا في التعاطي مع هذه الظاهرة، سار أحدهما نحو الاستسلام لها والتكيف مع متطلباتها، بينما رفضها الآخر بصورة مطلقة، ودعا الى مقاومة كل ما تمثله والخروج عنه الى النهاية!! وربما يعود جذر هذا التطرف الى خلل معرفي يتمثل في عدم التمييز بين وجهي العولمة الوظيفي والسياسي. فالأول ذو منشأ تاريخي، يعبر عن التطورات الموضوعية التي وصلت إليها البشرية وتشابك مصالحها واحتياجاتها وازدياد ميلها نحو التفاعل والتلاحم، ثم اتساع التحديات والمعضلات المشتركة التي تتطلب مواجهتها رؤية وجهود عالمية. بينما يمثل الثاني تعاظم دور الهيمنة والاستئثار، واستفحال سيطرة نخبة احتكارية على المجتمعات، بل على مختلف مناحي الحياة البشرية، بما يهدد استقلال الشعوب ويحد من قدراتها الخاصة على التطور وتحسين موقعها في سلم الحضارة الإنسانية، ويدفع بطموحاتها وتطلعاتها نحو حد من الضيق والانكماش لم يشهده التاريخ من قبل.

      من الصعب الاتفاق على تعريف دقيق للعولمة، إلا أنها عموماً، عبارة عن ظاهرة تتداخل فيها، على المستوى الكوني، أمور الاقتصاد والسياسة والثقافة والاجتماع والسلوك في ظل شيوع استخدام التكنولوجيا الحديثة والمعلوماتية والمعرفة المكثفة في المنافسة الاقتصادية والمالية لسوق عالمية واحدة، وتتجلى صفتها الأساسية في التحول من الممارسات والمعايير والقواعد المحلية الى العالمية، من فناء وطني ضيق الى باحة دولية واسعة، ما فرض على المجتمعات إعادة صياغة وجودها وترتيب أمورها وآلياتها للتكيف مع الحقائق الجديدة، وأهمها ضرورة التعايش وملاحقة ديناميكية تغير التركيبة البنوية للنظام العالمي وأشكال حضوره، لنشهد حالة من تراجع دور الحكومة في الهيمنة على المجتمع، وتقلص حجم سلطات الدول والجماعات والأفراد في البلدان المحيطية، بسبب زيادة مصالح وسياسات سلطة الاحتكارات الجبارة المهيمنة عالمياً ونشاطها الفاعل.

     إن الوضعية التاريخية الراهنة، في ظل هذا التطور المتسارع لظاهرة العولمة، يفضي الى خصائص جديدة تثير صوراً مختلفة ومتنوعة من التناقضات والصراعات لعل أهمها اعتداء العولمة السياسية على الوظيفية. فإذا كان للعولمة الوظيفية شرطها الموضوعي الذي لا راد له، وهي حصيلة متطلبات استدعاها هذا المستوى من تطور البشرية وقواها الإنتاجية والمعرفية، فإن العولمة السياسية تتجه الى ابتلاع هذه المتطلبات ذاتها، وتسخرها في خدمة مآرب النخبة الخاصة وبرامجها في الهيمنة.

     إن تعاظم دور الشركات العملاقة متعددة الجنسية، التي أصبحت تسيطر على ما لا يقل من نصف المبادلات التجارية العالمية، وتوسع الاستثمارات الخارجية، أدى الى تفكيك نسبي للأسواق القومية التقليدية وإجهاض قدرتها الإنتاجية، وأصبحت السياسة الحمائية أقل فعالية، الأمر الذي زاد المجتمعات الغنية غنى والفقيرة فقراً، وساهم في تسارع تفشي ظواهر البطالة والتخلف والفساد، ربطاً مع نتائج الثورة التي شهدتها مجالات النقل والاتصالات الحديثة والأقمار الصناعية والانترنت والفضائيات وتدفق المعلومات، والتي سهلت التواصل بين الأمم والشعوب، وقللت المسافات المكانية والزمانية، وجعلت للبشرية فضاءً واحداً يزداد تماسكاً.

 لكن كما أرست العولمة دعائم نموذج الاقتصاد الرأسمالي، كنظام عالمي سائد وعززت سيطرة نخبه، فقد أبرزت قيم الديمقراطية وحقوق الانسان التي رافقت تطور هذا النموذج في الغرب. ونشر هذه القيم يحظى في المناخات السائدة اليوم باهتمام خاص، إذ لم يعد يستطيع أي كان أن يتجاهلها ويتسامح مع أشكال السيطرة الاستبدادية. وقد بات من الصعب تخفيف الآثار السلبية للفوارق بين البلدان المتطورة والمتخلفة، وتجفيف منابع الإرهاب العالمي، والحد من الهجرات الشرعية وغير الشرعية، إلا بمعالجة جذرية لمشاكل البلدان المتخلفة، بمكافحة الأنظمة الشمولية الفاسدة، وتوسيع المشاركة السياسية وفرص العمل، وتسهيل طرق الوصول الى العلوم الحديثة.

     يعتبر المؤمنون بالعولمة أنها ظاهرة ايجابية يتم من خلالها نشر التكنولوجيا والمعرفة، وتدفق رأس المال من الدول الغنية الى الدول الفقيرة، ما ينشط الاستثمار والدورة الإنتاجية داخل حدود هذه الدول، ويساعدها على تطوير اقتصاداتها الصاعدة، كما يخلصها من الاستبداد والجهل. لكنهم غفلوا أو تغافلوا عن الجوانب السلبية لهذه الآلية، التي تفضي الى نفاد الثروات الاحتياطية وجفاف رأس المال وهجرة العقول والحكم على هذه البلدان بمزيد من التردي والتراجع.

بالمقابل، نجد دعاة مقاطعة العولمة أشبه بحملة شعارات أخلاقية تريح ضمائرهم فقط، دون ترك أي أثر نوعي في مقاومة تقدمها الحثيث، بل الأرجح أنهم يرسمون لمجتمعاتهم طريقاً نحو العزلة التي ستفضي في نهاية المطاف الى مزيد من الانغلاق ووصولاً إلى الموت، ومثل هذه النتيجة هي أفضل مكافأة مجانية يمكن أن تقدم لقادة العولمة السياسية، وتسهل مهمتهم في إزاحة المعوقات التي تقف حائلاً أمام تعزيز سيطرتهم على العالم أجمع.

     لقد باتت العولمة واقعاً لا مفر من التعامل معه، وعلى عاتقنا تقع مسؤولية العيش في ظل ما تفرضه من شروط وما تتيحه من فرص، والعمل على تحسينها. فوجه العولمة الوظيفي تيار جارف لا يمكن الانعزال عنه أو معارضته بمفاهيم وقيم عن الخصوصية الحضارية أو الثقافية، بينما الانفتاح الجريء على العالم، والقبول بخوض تحدي البقاء والمنافسة والتمسك بالقيم المشتركة والاستحقاقات الايجابية للبشرية هو خير ما يعيق الوجه السياسي للعولمة، ويجسر الهوة بيننا وبين البلدان المتقدمة التي يهدد توسعها بخروج مجتمعاتنا من التاريخ، وعندها لن تنفعنا الهوية والانتماء في شيء.

     نعم، ثمة طرائق للرد على الآثار السلبية للعولمة وتحسين فرص البلدان الصغيرة في النمو والتطور إذا انتبهنا جيداً لماهية هذه الظاهرة وتجلياتها واعترفنا بضرورتها كنظام وظيفي، وأنه لم يعد بالإمكان إدارة الظهر لها في عالمنا المعاصر، مع التشديد على الاستمرار في مناهضة وجهها السياسي، مستندين الى تشابك المصالح مع القوى والفعاليات كافة التي تشاركنا القيم الإنسانية ومبادئ العدالة والحرية وحقوق الانسان، مع ما يعنيه ذلك من ضرورة تجنب خلق تناقضات واهمة بين مجتمعاتنا ومجتمعاتهم وبين ثقافتنا وثقافتهم، منطلقين من بدهية تقول إن العدو الحقيقي لطموحاتنا ليس الحضارات الأخرى في حد ذاتها، بل الأطراف السياسة المهيمنة على الجميع.

      تشكل القيم الإنسانية المشتركة عن الحرية والحق والعدل والمساواة أساساً موضوعياً للتضامن بين الشعوب، وتتصف هذه القيم بالكلية والعمومية، وأنها لغة مشتركة تتخطى حدود العرق والقومية والطائفية، ولعل مثل هذا الأساس يمكننا من توسيع زاوية الرؤية والتطلع لنصرة هذه القيم في مجتمعاتنا وعلى الصعيد العالمي أيضاً، من قبيل الدعوة إلى تطوير أنظمة الأمم المتحدة ودورها في العملية الكونية بعد أن كانت شبه معطلة في النظام ثنائي القطبية، وربما نحلم بأن تتحول في المستقبل إلى حكومة عالمية، أو مؤسسة تشريعية تسن القوانين الدولية للجميع وتراقب احترامهم لها. وكذلك التطلع إلى بناء نشاط مشترك لمجموعات من الناس من بلدان مختلفة يتجاوزون دولهم ويتكاتفون لتحسين ظروف حياتهم المتشابهة، ولعل في ذلك ما يطور مفهوم المواطنين الكونيين كانتماء أعلى من الانتماء الوطني أو القومي، دون أن نغفل التركيز على التطلعات التنموية الخاصة لبلداننا، لا سيما لجهة توفير الحريات واحترام حقوق الانسان وتعزيز دور المجتمعات المدنية ومنظماتها الأهلية غير الحكومية، كي تتنامي طرداً، مع تآكل دولة تضخمت على حساب حقوق مواطنيها وأدوارهم.

    يمكن القول أخيراً، إنه من الخطأ ان نشترط إما زواجا وإما طلاقا !! أو بتعبير آخر، إما عولمة ونظاما عالميا موجها لخدمة البشرية وتحقيق قدر مقبول من العدالة والمساواة وإما مناهضتها بكل صورها وأشكالها، بل يفترض بنا التطلع نحو آفاق تراهن على تعميق الوجه الايجابي لانفتاح المجتمعات البشرية على بعضها، وانكشاف مساحات جديدة من القيم والمبادئ التي تمس جوهر حياة الناس وحقوقهم ومصيرهم على الأرض، وتحثهم على الاتحاد والعمل المشترك، ما يشكل ترجمة حية لمتطلبات الوضع التاريخي الراهن، وللرد على تعاظم العولمة السياسية، والحد من قواها الضاغطة على أنفاس البشرية وآمالها.

التعليق