التصعيد الإسرائيلي وأحداث الحرم القدسي

تم نشره في الثلاثاء 12 نيسان / أبريل 2005. 02:00 صباحاً

عام 2000، وبعد فشل مفاوضات كامب ديفيد الثانية بين المرحوم ياسر عرفات وبين كلّ من باراك وكلنتون، حول قضايا الوضع النهائي(القدس واللاجئون والحدود والسيادة)، قاد شارون، وكان آنذاك زعيماً للمعارضة الإسرائيليَّة، بعض المتطرِّفين اليهود ودخل بهم المسجد الأقصى، بحماية الشرطة الإسرائيليَّة. وبسبب هذا الاستفزاز السافر، ولأنَّ "العمليَّة السلميَّة" وصلت إلى طريق مسدود آنذاك، اندلعت انتفاضة الأقصى واستمرَّت لسنوات بعد ذلك. وطبعاً حمَّلت الولايات المتَّحدة المسؤوليَّة كاملة للفلسطينيّين، وعرفات بوجه خاص، بينما كوفئ شارون بانتخابه رئيساً للحكومة الإسرائيليَّة وب‍"تكريسه" كرجل سلام من قبل بوش.

والآن، بينما تحاول الولايات المتَّحدة تكييف الصراع العربي الإسرائيلي مع مقتضيات خطَّتها لإعادة ترتيب المنطقة، ابتداءً من العراق، ثمَّ سورية ولبنان، ثمَّ إيران.. الخ؛ نشهد تصعيداً جديداً من قبل المتطرِّفين الإسرائيليّين، باستهداف الأقصى، أيضاً، بسبب أهميَّته الدينيَّة ولكونه يرمز للحقّ العربي المسلوب في القدس. على أنَّ التصعيد يأتي هذه المرَّة وقد نُفِّذتْ خطواتٍ واسعة من البرنامج الأميركي في المنطقة؛ حيث تمَّ احتلال العراق، وأُضعِفتْ سورية، وتجري ملاحقة إيران وبعض الدول العربيَّة. والعامل الآخر الجديد هذه المرَّة، ولو أنَّه شكليّ، هو أنَّ شارون الآن في السلطة وليس في المعارضة، وأنَّه هو الذاهب إلى واشنطن وليس سواه، وقد تُطلب منه هناك بعض التنازلات، حتَّى وإن كانت شكليَّة.

ولكن إذا كان الإسرائيليّون لم يجدوا أنفسهم عام 2000 في وضع يلزمهم بتقديم تنازلات، فحريٌّ بهم الآن، بعد كلّ التطوُّرات التي جرت لصالحهم، أن يكونوا أكثر تشدُّداً في هذا المجال. لذلك فهم الآن، مثلما كانوا عام 2000 ومثلما حدث في الكثير من الظروف المشابهة، يستخدمون ورقة التطرُّف اليهودي ليتمكَّنوا بواسطتها من إعادة خلط الأوراق عن طريق التصعيد وتوتير الأجواء.

وهذا يؤكِّد ما هو معروف من أنَّ السلام لا يزال بعيد المنال، وأنَّ الحديث عن إمكانيَّة تحقيقه غير واقعي. فالسلام يحتاج إلى موازين قوى متوازنة، أمَّا اختلالها فلا يقود إلا إلى تنازل طرفٍ للآخر، كما هو مطروح الآن على العرب باسم السلام. ولكن المشكلة في هذه الحالة هي في حساسيَّة القضيَّة الفلسطينيَّة لدى الشعوب العربيَّة والإسلاميَّة. الأمر الذي أنتج المشهد المعقَّد التالي: ميزان قوى مختلّ بين الحكومات وبين الطرف الإسرائيلي الأميركي، ولكنَّه غير مستقرّ بعد عند احتساب القوَّة المعنويَّة والماديَّة للشعوب العربيَّة والإسلاميَّة.

وفيما يتعلَّق بعدم واقعيَّة السلام، يجب الانتباه أيضاً إلى كون الولايات المتَّحدة نفسها غير جادَّة في مساعيها المعلنة للسلام، وأنَّها مثلها مثل الإسرائيليّين، تريد من العرب رفع راية الخضوع من دون قيد أو شرط تقريباً. سوى أنَّ الولايات المتَّحدة، بخلاف "إسرائيل"، ترى أنَّه من الضروري إخراج هذه العمليَّة بطريقة تتوفَّر على أقلّ قدر ممكن من استفزاز الشعوب العربيَّة والإسلاميَّة.

يبقى أنَّه ممَّا يستحق التوقُّف عنده هو أنَّ الولايات المتَّحدة بينما هي تجرُّ العالم معها للحرب على الإرهاب، فإنَّها لا تجد غضاضة في التطرُّف والإرهاب الصهيونيّين؛ بل إنَّ معظم هؤلاء المتطرِّفين، إنَّما هم قادمون من الولايات المتَّحدة ويحملون جنسيَّتها ويحظون بدعم علنيٍّ واسع من منظَّمات وهيئات أميركيَّة.

التعليق