سورية بعد الحريري: أزمة السياسة الخارجية السورية

تم نشره في الثلاثاء 12 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً

لماذا تتحمل دمشق اليوم الضغوط الأشد دولياً وعربياً ولبنانياً بعد اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق رفيق الحريري بالرغم من عدم ثبوت تورطها يقيناً في الجريمة ؟.

الإجابة عن هذا السؤال تتحمل وجهين بكل تأكيد، وهما اللذان نقرأهما ونسمعهما باستمرار من قبل المحللين والمراقبين، الإجابة الأولى وتمثل وجهة النظر السورية الرسمية ومعها الموالون لها في لبنان وتقول بأن هناك مخططاً أمريكياً يستهدف المنطقة ولم يكن سوى بحاجة إلى ذريعة،كمقتل الحريري، لتتضح أهدافه، فمقتل الحريري جزء من لعبة الدومينو كما قالت وزيرة المغتربين السورية بثينة شعبان، بل إن البعض زاد بأنه حتى لو لم يقتل الحريري فإنه كان سيجري اختلاق ذريعةٍ أخرى، ولا بأس أن يلمح هذا الطرف بالمسؤولية الأمريكية والإسرائيلية من وراء اغتيال الحريري كونهما الطرفين المستفيدين .

الإجابة الأخرى هي تلك التي تتبناها المعارضة اللبنانية وخلفها الكثير من المواقف الدولية والعربية والكثير من الكتاب والباحثين، وهي أن سورية مسؤولة بشكلٍ غير مباشر عن اغتياله بسبب سيطرتها المحكمة على الوضع الأمني في لبنان، وقد لمح إلى ذلك وزير الخارجية السعودي سعود الفيصل، وزاد وزير الخارجية البريطاني بأن حمّل سورية مسؤولية التورط المباشر في التنفيذ .

بدت الإجابتان لدى الطرفين أشبه بالقناعات التي لا تحتمل التأويل. وهو ما عقّد الرؤية في نظر القيادة السورية التي ظهرت مربكة وغير قادرة على اتخاذ القرار، ولم تفلح مسيرة خمسة عشر عاماً من "العلاقات التاريخية والمميزة "وفوقها "معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق" في إبعاد الشبهة، وزاد الوضع سوءا عدم قدرة السياسيين السوريين على اتخاذ المبادرة الصحيحة في اللحظة المناسبة، لم يقطع التلفزيون الرسمي برامجه، لم يعلن الحداد الرسمي في دمشق، لم تفتح للراحل الكبير بيوت العزاء، لم تذهب وفود رسمية أو شعبية تعزي بالفقيد الكبير، بل إن وزير الخارجية الذي استنكر "الجريمة" لم ينبس بكلمة "إنسانية" للمواساة بحق الراحل، لقد بدا الصمت سيد المشهد في دمشق، وطُلِب من وزير الإعلام على الفور أن يرابط على الفضائيات العربية كي يدفع بالتهم الموجهة فزاد الطين بلة كما يقولون ببعض تصريحاته المتعلقة بزيادة الخروقات الأمنية نتيجة انسحاب القوات السورية. لقد كانت القيادة السورية في وضعٍ لا تحسد عليه وهو ما ظهر في تناقض تصريحاتها المستمر وفي تصحيح العبارات لبعضها بعضا .

يمكن القول أن المسألة كانت أبعد من اغتيال الحريري، فالدبلوماسية السورية خاصةً بعد حرب العراق أصبحت أسيرة الأخطاء المتكررة، وباتت أخطاؤها تعد بالجملة لا بالمفرق، وذلك يعود بشكل رئيسي إلى آلية صنع القرار السياسي في سورية والدائرة المصغرة التي يتخذ فيها القرار .

كان الرئيس الراحل حافظ الأسد قد أنشأ ما يسمى باللجنة السياسية الدائمة التي تتبع لوزارة الخارجية وذلك عقب مؤتمر مدريد للسلام في عام 1991، كانت اللجنة تضم خبراء عسكريين سابقين ومستشارين قانونيين ودبلوماسيين، لم يكن للجنة القرار النهائي في صنع السياسة الخارجية، إذ جعلها الأسد أشبه بالهيئة الاستشارية التي يطلب منها ترشيداً في صنع القرار خاصة خلال المفاوضات، وقد استمرت اللجنة حتى بعد وفاة الأسد، لكنها بالكاد اجتمعت أو أبدت رأياً. وحتى إذا فعلت فإنها تحاول أن تزكي الرأي الرسمي. ولذلك لم يكن يعول عليها.

مع مجيء الرئيس بشار الأسد إلى سدة الرئاسة اعتمد بشكلٍ كبير على فاروق الشرع كوزيرٍ للخارجية في صياغة الدبلوماسية السورية خاصةً وأن الشرع كان أذكى من غيره من السياسيين السوريين في قراءة مشهد انتقال السلطة فوقف في الجانب الرابح، ولذلك بقي دوره محورياً في صياغة السياسة الخارجية.

لكن القرار السياسي في سورية وخاصة بعد حرب العراق انقسم إلى فريقين باتجاهات متباينة، الأول وهو ما يمكن وصفه بالمحافظ قرأ في المطالب الأمريكية المتتالية لائحةً لا تنتهي من المطالب، ومن الصعب الاستجابة لها، فهذه اللائحة غير معروفة كما عبر الأسد نفسه في أكثر من مرة وهي أشبه بطلبات العصا التي لا تتضمن أية جزرة، ولذلك فمن الأفضل قطع الطريق عليها نهائياً والاستجابة بالمراوغة واتباع سياسة الانتظار، يمثل هذا الرأي غالبية أعضاء القيادة القطرية وأعضاء الجبهة الوطنية التقدمية وقادة الأجهزة الأمنية من ذوي الجيل القديم، ورهان هذا التيار يقوم على تغير الإدارة الأمريكية وهو ما لم يحصل، أو على استمرار التورط الأمريكي في العراق، وهو ما يبدو في طريقه إلى الحل خاصةً بعد نجاح الانتخابات العرقية .

أما التيار الثاني الذي يمكن وصفه بالمتوائم فيرى ضرورة الاستجابة للمطالب الأمريكية لأن القادم أخطر، وأن سورية لا يمكن لها الوقوف في وجه الولايات المتحدة حتى ولو أيدتها جميع الدول العربية، ويمثل هذا التيار بعض السفراء السوريين في الخارج وبعض قادة الأجهزة الأمنية من الجيل الجديد ويراهن هؤلاء على تغير دراماتيكي في الإدارة الأمريكية يقوم على تغليب الحوار على لغة القوة وفرض الإملاءات.

لا يبدو أن أياً من الفريقين نجح في تغليب رأيه، هذا بالرغم من عدم مأسسة كلا الفريقين في مؤسسات واضحة لصنع القرار أو امتلاك أيٍ من الطرفين لوسائل الإعلام التي تعبر عن رؤيته ،وإنما هناك كما هو معروف في السياسة السورية، لغة التسريبات، لكن الفريقين اصطدما خلال الطريقة المضطربة التي تعاملت بها سورية في مجلس الأمن من القرار رقم 1483 بعد الحرب على العراق. فقد كانت غالبية قيادة الحزب، بما فيها وزير الخارجية، معارضة بوضوح للقرار الذي سيشرعن بطريقة أو أخرى الاحتلال الذي تتزعمه أمريكا في العراق، ولذلك امتنع السفير السوري في الأمم المتحدة عن التصويت. أما الرئيس بشار الأسد الذي لم يكن راغباً في التصعيد مع الولايات المتحدة كما أن خرق الإجماع الدولي لا يساعد في تحسين الصورة الدولية للبلد، لذلك طلب من وزير الخارجية إعلام قيادة الحزب أن الرئيس يريدهم أن يوافقوا على قبول سورية القرار، وقد تحقق له ذلك دون أن يحضر الاجتماع مع القيادة القطرية. وفي اليوم التالي أبلغت سورية مجلس الأمن بأن صوتَها يعتبر "نعم".

بعد وفاة الحريري حدث شيءٌ من ذلك داخل القيادة السورية، فالطرف الذي أيّد التمديد للرئيس لحود وجد نفسه في موقفٍ ضعيفٍ للغاية خاصةً وأن جميع أصابع الاتهام وجهت إلى دمشق بسبب فرضها لحود على الحريري وهو لذلك قرر الاستقالة، ودخل الحريري بعدها في فترة برودة مع دمشق، أما الطرف الآخر الذي لم يكن مع التمديد للرئيس لحود والذي يشكل غالبية السلك الدبلوماسي باستثناء وزير الخارجية فإنه أشار بخفر إلى أن دمشق تحصد اليوم ما زرعته خلال سنواتها السابقة وبالتحديد  ثمن أخطائها في عدم قراءة طبيعة المواقف الدولية الفرنسية والأمريكية بشكلٍ صحيح، ولما كان السيف قد سبق العذل كما يقولون فإن اغتيال الحريري شكل نصراً ساحقاً للفريق المتوائم على حساب المحافظ، وهو ما وجدناه في تعدد التصريحات السورية في الانسحاب من لبنان خلال أشهر، مع التأكيد على الانسحاب وليس إعادة الانتشار كما كانت تصر اللغة الدبلوماسية السورية، وإذا كان الطرف المحافظ يسعى دائماً إلى عدم إظهار سورية خارجياً وداخلياً في موقف "الضعيف " كما تعامل مثلاً مع مظاهرات الأكراد بمزيدٍ من التشدد وكما تعامل مع السياسة الأمريكية في العراق، فإن الطرف المتوائم يعترف بحقيقة مؤلمة وهي أن سورية حقاً ضعيفة داخلياً وخارجياً، والتأخر في اتخاذ مبادرات إصلاحية حقيقية في كلا الطرفين يزيد هذا الضعف ولا ينفيه، فلمن ستكون الغلبة بعد ازدياد الاحتجاجات الداخلية اللبنانية التي تبشر بمستقبلٍ مختلف لم يتوقعه كلا الطرفين. يبدو أن المستقبل وحده هو من يستطيع الإجابة عن ذلك .

التعليق