لمصلحة من رفع الضرائب والرسوم على السيارات؟!

تم نشره في الخميس 7 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً


   بعد مضي أقل من شهر ونصف على إقرار الموازنة العامة للدولة لعام 2005 تكون الحكومة قد أقدمت على اتخاذ أول إجراء لرفع الرسوم والضرائب على المواطنين، ولأن البعض سيستغرب ربط الموازنة العامة للعام الجاري بموضوع رفع الضرائب على السيارات، فيستحسن العودة لخطاب وزير المالية حول مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2005 الذي تلاه أمام أعضاء مجلس الأمة بتاريخ 22/12/2004  وقد جاء فيه حرفيا ما يلي:

(يتميز مشروع قانون الموازنة العامة لعام 2005 بأنه لم يتضمن فرض أي ضرائب جديدة، وإنما سيتم التركيز خلال العام القادم على بذل مزيد من الجهود لتحسين الإدارة الضريبية ورفع كفاءتها وفاعليتها ، وقد أثبت هذا التوجه خلال العام الحالي أنه ذو أثر فاعل في تقليص التهرب الضريبي وتحصيل حقوق الخزينة في مواعيدها)، أما بعد انتهاء مناقشات السادة أعضاء مجلس النواب لمشروع قانون الموازنة وقبيل الاقتراع عليه

فقد رد وزير المالية على ملاحظات السادة النواب بخطاب آخر بتاريخ 9/2/2005 ذكر فيه حرفيا ما يلي:

(ان هذا القانون يتميز بأنه لا يتضمن فرض ضرائب جديدة فحصيلة الزيادة المتوقعة في الإيرادات المحلية في عام 2005 سيتم تحقيقها من خلال الاستمرار والتركيز على رفع كفاءة الإدارة الضريبية وتقليص التهرب الضريبي وتحسين آلية تحصيل هذه الإيرادات) إنتهى الاقتباس. 


    فقيام الحكومة برفع الضريبة الخاصة على السيارات ذوات المحركات حتى سعة 1500 سي سي من 9% إلى 30% وزيادة الضريبة الخاصة على السيارات ذوات المحركات من سعة 1501 سي سي إلى 2000 سي سي من 23% إلى 30% لا يعني سوى نكوث الحكومة بوعودها التي قطعتها على نفسها أمام السادة أعضاء مجلس الأمة قبل مناقشة الموازنة وبعدها أيضا.


    فالأصل في التشريعات سواء كانت قوانين أو أنظمة أن تكون في خدمة المواطنين وبما يحقق أقصى درجات العدالة في اوساط المواطنين، لا أن تحملهم مزيدا من الأعباء المالية وأن تنحاز مضامينها لحساب شريحة اجتماعية على حساب السواد الأعظم من الناس، صحيح أن الحكومة قد خفضت بقرارها الرسوم الجمركية على السيارات الكبيرة فوق 2001 سي سي، لكن من المعروف أن السيارات الكبيرة والجديدة لا يستطيع شراءها إلا ذوو الدخل المرتفع، وبالتالي فان هذا الإجراء الحكومي مخصص لخدمة ذوي الدخول المرتفعة ممن يستطيعون شراء السيارات الفارهة والكبيرة التي تستهلك كميات كبيرة من البنزين وليس لخدمة عامة الناس الذين بالكاد يستطيعون شراء السيارات الصغيرة وفوق ذلك المستعملة والتي غالبيتها قد احيلت في الدول المتقدمة إلى مكبات النفايات بعد أن تجاوز عمرها الاستهلاكي المقدر محاسبيا بحد أقصى عشر سنوات.


    جانب آخر هو أن رفع الضريبة الخاصة على السيارات جاء لتعويض النقص في الإيرادات المالية للخزينة الذي سينجم عن تخفيض الرسوم الجمركية على مدخلات ومستلزمات الإنتاج الصناعي من مواد وسيطة ومكائن والذي جاء بطلب من الصناعيين، وقد تجاوبت الحكومة مع مطلبهم اعتقادا منها أن هذا الإجراء سيخدم الصناعة الوطنية، ومع تشجيعنا للصناعة الوطنية التي نتمنى لها أن تبلغ أقصى درجات التقدم والازدهار لكن بالأساليب الإدارية والمالية والفنية الصحيحة، وليس بإسلوب المغالاة بتقديم الإعفاءات الضريبة والجمركية الموجهة للصناعات المريضة أو التي تولد مشلولة، وليس أيضا بتقديمها للصناعات الناجحة لكنها الطامعة بالتهرب من التزاماتها الضريبية والجمركية تجاه الخزينة، مع العلم أن الرسوم الضريبية والجمركية التي تتقاضاها الحكومة على مستلزمات الإنتاج من مواد وسيطة ومكائن هي أصلا منخفضة جدا ولا تتجاوز غالبيتها 10% من قيمة تلك المستوردات؛ وبالتالي فإن صناعة لا تستطيع أن تتحمل هذه الرسوم المتدنية ولا تتمكن من النجاح إلا بإعفائها منها، لا تعتبر بالمفهوم الاقتصادي صناعة ناجحة ، وبالتالي لا تستحق هذه الإعفاءات، وان دعم الحكومة لها بهذا الاسلوب لا يعتبر إلا شكلا من أشكال التهرب الضريبي الذي يتم تحت جنح القانون، والذي لن تتحمل كلفته موازنة الحكومة بل جيوب ذوي الدخل المتدني والمحدود عندما يشترون سياراتهم الشعبية الصغيرة المستوردة التي شبعت استهلاكا في بلادها الأصلية، كونهم لا يستطيعون شراء ما هو أفضل وأحدث وأكبر منها، لأن ما هو أكبر وأفضل وأحدث منها لا يشتريه إلا ذوو الدخل المرتفع ممن تفصل الاعفاءات الضريبية والجمركية لخدمتهم.


    وما زلنا في موضوع الصناعة المحلية المدعومة جمركيا وضريبيا والتي جاء قرار الحكومة سالف الذكر لخدمتها على حساب ذوي الدخل المتدني، فماذا يعني نجاح الصناعة الصينية المقامة في الأردن والتي يطبق عليها من القوانين والانظمة الاردنية ما يطبق على الكثير من الصناعات الأردنية ومع ذلك نجحت الصناعة الصينية بالتصدير عبر الأردن إلى السوق الإمريكي بأكثر من نصف مليار دينار في عام 2004 بينما فشلت الصناعة الأردنية الماثلة لها، ألا يشير ذلك لوجود خلل شديد تعاني منه إدارة الصناعة المحلية التي لا هدف لها سوى تحصيل أكبر قدر ممكن من الإعفاءات الضريبية والجمركية؟ وإذا كانت هذه الصناعة غير قادرة على خدمة موازنة الدولة بالحد الأدنى من الرسوم والضرائب فما الفائدة منها ولماذا يوجه لها هذا الدعم؟ وإذا كانت المصانع وأصحابها ممن لا يشق لهم غبار حينما يتحدثون عن انفسهم كرجال أعمال بينما لا يتحملون مسؤولية دفع استحقاقاتهم الضريبية؛ أفلا يبدو ذلك متناقضا مع ما هي عليه الصناعة في الدول المتقدمة التي تتحمل أعباء ضريبية أكثر بكثير مما تتحمله الكثير من صناعاتنا العتيدة التي لا تحيا إلا بالدعم وبالتملص من الضرائب والرسوم؟


    باعتقادي أن نظرية البقاء للأصلح تستحق تطبيقها على الصناعة في الأردن، فالأردن لا يحتاج لصناعات عائلية سقيمة وهزيلة هي أقرب ما تكون للورش والبقالات تعيش عالة على الإعفاءات الضريبية والجمركية، بل يحتاج الأردن لصناعة قوية تمتلكها شركات مساهمة عامة ذات جدارة وملاءة مالية عالية، قادرة على استخدام التكنولوجيا المتطورة وتوظيف الكفاءات الإدارية والفنية والتسويقية المؤهلة لإيصال منتجاتها للأسواق التصديرية والمحلية على غرار الصناعات الصينية القائمة لدينا في الأردن.


    أخيرا من واجب الحكومة أن تقوم بتوزيع الأعباء الضريبية والجمركية على المواطنين بعدالة وبما يتناسب مع مستويات دخولهم دون تحيز أو إجحاف، ودون الميل بتلك الأعباء على كاهل شرائح واسعة من المجتمع لحساب شريحة أخرى ضيقة ليس لها هم إلا تحصيل أكبر قدر من الامتيازات، كما من واجبها أن لا تفرض أية ضرية جديدة إلا بقانون امتثالا لأحكام الدستور الذي يؤكد على هذا المبدأ كما يؤكد على تحقيق العدالة بين المواطنين، واحتراما لوعودها التي قطعتها على نفسها قبل مناقشة أعضاء مجلس الأمة للموازنة العامة وبعدها لهذا العام؛ بأن لا تفرض أية ضرائب جديدة في الموازنة الحالية.


كاتب ومحلل اقتصادي أردني

التعليق