الدمقرطة الأميركية للعرب: إهمال العامل الفلسطيني

تم نشره في الاثنين 4 نيسان / أبريل 2005. 03:00 صباحاً


     من تناقضات المشروع الأميركي للدمقرطة في المنطقة العربية إهماله للقضية الفلسطينية وتجاوزه لها. وهو بالطبع ليس التناقض الوحيد بل يُضاف إلى إشكالات أخرى عديدة, لكن تتوقف هذه السطور عنده. الاحتلال العسكري الوحشي المفروض على أية مجموعة بشرية هو أسوأ أنواع الدكتاتورية.

 فهنا لا تغيب فقط المعالم الأساسية للديموقراطية مثل الاحتكام إلى الشعب, والتداول على السلطة, والفصل بين السلطات, واحترام حكم القانون, بل تتواجد عناصر أخرى ما فوق دكتاتورية وعنصرية تعتبر من ناحية عملية الشعب الواقع تحت الاحتلال غير جدير بالحياة الطبيعية. ينطبق ذلك بالطبع على الاحتلال الإسرائيلي العنصري بامتياز خاصة وأنه ليس احتلالاً عسكرياً اعتياديا بل استيطاني النزعة يهدف إلى الاحلال السكاني والتطهير والإقصاء.

 وأن تقوم الولايات المتحدة بتجاهل الحالة الدكتاتورية الأسوأ في المنطقة واستثنائها من "مشروعها" لإحلال الديموقراطية في المنطقة يكشف جانباً آخر من هشاشة المشروع برمته وعدم صدقيته.


      النظرة الأميركية الحالية تفصل بين الدمقرطة العربية والقضية الفلسطينية على أساس أن الأنظمة العربية اعتادت على استغلال هذه القضية والمتاجرة بها للتهرب من القيام بأية إصلاحات داخلية ديموقراطية ذات معنى. فقد كان المسوغ الذي استخدم على الدوام هو أن لا صوت يعلو على صوت المعركة في إسرائيل وأننا كعرب في حالة صراع لا توفر لنا ترف التفكير بالديموقراطية والانفتاح السياسي. لكن علاقة فلسطين بالدمقرطة العربية أعقد كثيراً من ذلك المسوغ الذي يتفاخر الأميركيون بـ "اكتشافه" الآن.


         وقبل التفصيل في بعض الجوانب الأخرى للعلاقة المركبة للمسألة الفلسطينية بالدمقرطة العربية يجب الإشارة هنا مقدماً إلى أن ذلك لا يعني إغلاق الباب أمام عمليات الديموقراطية العربية في كل قطر بانتظار حل القضية الفلسطينية. إذ يمكن تحقيق تقدم جزئي على هذا المسار الديموقراطي أو ذاك, تبعاً للحالة والبلد المعني, قبل أو بموازة الاشتغال على القضية الفلسطينية. لكن لن يتم إنجاز تحول ديموقراطي شامل وذي معنى في المنطقة من دون التخلص من الحالة الاحتلالية الإسرائيلية المجسدة للحد الأقصى من الدكتاتورية. كما تجب الإشارة إلى أن المشروع الأميركي المحمل بالتناقضات والمصالح والإشكالات سوف ينجح في تحقيق ضغوطات جزئية في عدد من الحالات العربية ودفعها لاتخاذ بعض الإصلاحات الديموقراطية. لكن مرة أخرى لن يصل مدى تلك الإصلاحات إلى حد إنجاز تحول ديموقراطي جذري, كما لن تقبل الولايات المتحدة نفسها أن تصل تلك الإصلاحات إلى مستوى دمقرطة حقيقية لأن ذلك سيصطدم بالقضية الفلسطينية مرة أخرى في غالب البلدان العربية التي يقف شارعها الشعبي والسياسي ضد إسرائيل على طول الخط.


           وبتفصيل أكثر لننظر إلى التسلسل المتناقض التالي: الولايات المتحدة تضغط على الأنظمة العربية لإجراء انفتاح ديموقراطي, أي احترام الإرادة الشعبية وتوسيع المشاركة السياسية وتحرير الإعلام والعمل السياسي. في نفس الوقت تضغط الولايات المتحدة على نفس الأنظمة باتجاه الانفتاح مع إسرائيل وتطبيع علاقاتها معها, وهو توجه يصطدم بقوة مع الإرادة الشعبية في أي بلد عربي. يتم القيام بذلك الضغط في وقت تحالف, وليس فقط تتسامح فيه أميركا مع السياسة الإسرائيلية الاحتلالية لأقصى حد مثيرة الغضب والكراهية العربية المتضاعفة ضد إسرائيل وأميركا. معنى ذلك أن الضغط الأميركي على الأنظمة حتى تقوم بالتطبيع يحمل معنى دكتاتوريا لا ديموقراطيا واضحا: الضغط لاتخاذ قرار غير ديموقراطي ويخالف رأي وتوجه الإرادة الشعبية والغالبيات القصوى في البلدان العربية, وهذا يصطدم رأسيا مع مضامين الدعوة والضغط الأميركي على الأنظمة العربية لاحترام إرادة الشعب وغير ذلك من شعارات كبيرة.

 ومن ناحية ثانية إن بدا للولايات المتحدة أن أي انفتاح ديموقراطي سوف يعني تحويل تلك الإرادة إلى قرار سياسي أو فتح المجال لها كي تؤثر في القرار السياسي الذي يريد التطبيع مع إسرائيل فإنها سوف تتوقف فوراً عن مسألة الضغط باتجاه الدمقرطة. معنى ذلك أن "المشروع الديموقراطي" سوف يتوقف في بداية الطريق وليس حتى في منتصفه, منتجاً تشوهات ديموقراطية وبعض الخروقات الجزئية هنا وهناك التي لا تؤثر في صلب الدكتاتوريات العربية وطريقة حكمها. وعملية مثل هذه ستكون تجميلية للوضع الراهن وتضفي عليه المسحة الديموقراطية المطلوبة أميركياً بحيث يصير للزعم القائل بأن أميركا دفعت وتدفع باتجاه دمقرطة الأنظمة العربية دلائل مساندة على الأرض.


       الأمثلة على مركزية المسألة الفلسطينية في مشروع الدمقرطة العربية تتجاوز البلدان العربية المحيطة بفلسطين, دول الطوق, وتصل إلى بلدان المغرب العربي والخليج العربي. فإذا تأملنا في الرفض القوي للشارع العربي لإسرائيل والتطبيع معها في بلدان مثل المغرب وتونس وموريتانيا (مثلاً رفض زيارة شارون لتونس) وقارنا ذلك الرفض بالضغط الأميركي على تلك البلدان باتجاه التطبيع مع إسرائيل يتوضح لنا اشتغال تلك المركزية بشكل لا يمكن بحال تجاوزه. أي تحقق للإرادة الشعبية هنا أو هناك معناه طرد شارون وسفراؤه من البلدان العربية, فكيف ستحل الولايات المتحدة هذا التناقض المركب؟ الحل المباشر الذي تحاول أميركا بجمهورييها وديموقراطييها تفاديه هو أن تدعم حلاً عادلاً يحقق الحد الأدنى من الحقوق الفلسطينية بما يخفف من الغضب والنقمة العربية الشعبية وبالتالي يخف تأُثير العامل الفلسطيني في مسألة الدمقرطة العربية بشكل عام.


     من دون أن يتحقق حل عادل للقضية الفلسطينية ومن دون أن تغير الولايات المتحدة سياستها في الدعم الأعمى لإسرائيل واحتلالها العنصري فإن دعوتها للديموقراطية في المنطقة سوف تظل غير ذات معنى, وغير ذات نتائج. ومهما علت التصريحات الأميركية المتوعدة والمهددة بـ "الدمقرطة" لأنها في نهاية المطاف, وكما يقول الأميركيون, تخفف التطرف في المنطقة وتخدم بالتالي المصالح الأميركية فإن تلك التصريحات ستكون مجهضة من البداية. والسبب هو أن الصخرة الإسرائيلية تقف في وسط الطريق, وليس على جانبه. لن تتمكن الولايات المتحدة من مداومة الضغط على أي نظام أو بلد عربي للقيام بدمقرطة حقيقية لأن ذلك سيصل بسرعة إلى الصخرة الإسرائيلية. ولأن أميركا لا تريد إزاحة تلك الصخرة عن الطريق كخطوة أولى فإننا سنظل نراوح في مكاننا دعما أميركيا هائلا لإسرائيل وسياساتها الاحتلالية العنصرية ضد فلسطين والفلسطينين, ومشاريع دمقرطة جزئية لا تحقق طموحات العرب في النهضة والتقدم وتكرس من الأوضاع السلطوية القائمة.


Email: hroubk@aol.com

التعليق