لبنان بين خيارين: انتفاضة الاستقلال أم انحلال النظام السياسي

تم نشره في الأربعاء 30 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

في منطقةٍ كالمشرق العربي، حيث التاريخ يعبّق المكان، لا مفر لنا من العودة إلى التاريخ واستحضاره هنا ليس لتعليل الحاضر أو تفسيره فحسب وإنما لقراءة المستقبل الذي يختبئ في مكامن هذا الحاضر .


لطالما قارن السياسيون اللبنانيون الأحداث السياسية التي يمرون بها بما حفَل به تاريخهم، فرفيق الحريري اليوم هو رياض الصلح الأمس، ودور الأخير في الاستقلال يشابه دور الأول الخفي في المناداة بالاستقلال والحصول عليه.


إن التاريخ يعلمنا الكثير من غير شك، لكن قراءته تضعنا أمام قراءات متباينة ومتضاربة، فإذا كانت المعارضة تشبّه ما يجري اليوم بما سبق الحصولعلى الاستقلال ، فإن الموالاة، على مقت هذه الكلمة وسوئها ولا أدري كيف يرتضي بعض اللبنانيين لأنفسهم بهذا الوصف، ترى فيما يجري اليوم مناخاً شبيهاً بما سبق الحرب الأهلية، إن التاريخ بلا شك خائنٌ بمعنى من المعاني، فالجميع يستحضر منه ما يريد أن يقرأ فيه أو ما يطلبه في حاضره، ولما كان التاريخ لا ينطق،فحق للجميع التكلم باسمه.


الحراك الشعبي والجماهيري في لبنان المفعم بالحيوية والشبابية والجارف أحداثاً سياسية بدت هامشية أصبح يمتلك حراكه التاريخي الخاص، إن روح التاريخ تكمن فيه، وطوبى لمن يعرف توجه التاريخ فيمشي معه، والخسران لمن تفوته اللحظة فيفوته التاريخ، ويصبح في "مزبلة التاريخ" تلك العبارة التي تحوي الكثيرين.


لبنان اليوم أمام مفترق طرق، صمود مظاهريه ومعارضته ومجتمعه باتجاه مطالبه بفتح التاريخ والاستقلال أمامه، والأهم معرفة "المعارضة " لإدارة دفة السياسة بشكلٍ ناضج وحذر، فالتسرع في التصريحات كما في طلب الانتداب يخسرها الشارع اللبناني قبل العربي المسكون بهاجس رفض الأجنبي سواءً أكان محتلاً أم محرراً. كما أنه من الضروري لهذه المعارضة القيام بتحركات عربية كي تحاول أن تضع هذه "الانتفاضة" في عمقها العربي،وهو ما فعله جنبلاط في زيارته للسعودية ومصر.


لكن، بقدر ما يبدو التوجه اللبناني عارماً باتجاه تحقيق الاستقلال محاولاً تكرار تجربة أوكرانيا وجورجيا بقدر ما أن الانقسام اللبناني سيما ما يتعلق بحزب الله قد يهدد إنجاز هذه الانتفاضة حتى نهايتها، فاستقالة حكومة كرامي على وهجها وضعت اللبنانيين أمام استحقاقٍ أخطر وهو إمكان التوافق في الحد الأدنى على الإطار الوطني العام الذي على لبنان أن يسير في هداه .


هذا اللاتوافق يستحضر لنا التجربة السورية في تغيير حكوماتها المتتابعة خلال فترة الخمسينيات من القرن الماضي، ففي 14 تشرين الأول/ أكتوبر 1954 على سبيل المثال قدم رئيس الوزراء سعيد الغزي استقالته وكلّف رئيس الجمهورية آنذاك هاشم الأتاسي خالد العظم تشكيل حكومة إلا أنه فشل في ذلك، فاستقرَّ الرأي على فارس الخوري الذي شكّل حكومة ائتلافية ، غير أنها لم تصمد كثيراً، إذ سقطت في 7 شباط/ فبراير 1955 ، و سقوط حكومة الخوري في تلك الفترة مثل (نقطة تحول) في السياسة العربية، خاصةً لدى النظر برؤية تاريخية ارتجاعية إلى مآلات ومصائر السياسة السورية بعد سقوطها، إذ أمسك بعدها اليسار الصاعد بزمام المبادرة ملحقاً هزيمةً بمعقل (البرجوازية) الحصين القائم في البرلمان، وأعقب ذلك تقارب السياسة البعثية مع مصر عبد الناصر مما جعل سورية تدور في الفلك المصري، ومهّد لليسار البعثي بإمساك الأمور تماماً في 8 آذار/ مارس 1963 بعد أن انفك عقد الصلة مع مصر عبد الناصر، ولذلك  يحمل هذا التاريخ أيضاً نهايةً للمشروع الليبرالي الذي حملته وحمته بنفس الوقت القوى الوطنية ذات الأصول المدينية الدمشقية والحلبية على وجه الخصوص. ولذلك تم تكليف صبري العسلي بتشكيل الوزارة الجديدة في 13 شباط/ فبراير 1955 وكان خالد العظم وزيراً للخارجية والدفاع معاً، الذي أعلن أنه "لا نستطيع أن نستمر في سياستنا الموالية للغرب التي اتبعناها منذ الحرب العالمية الثانية.. وهذا ما دفعنا إلى مُشايعة الروس، وأن نأخذ من المعسكر الشرقي معونات مادية ومعنوية ضخمة" مما يعكس "الهوى" السوري الجديد الذي بدأ يميل نحو الشرق حاسماً خياره باتجاه رفض الأحلاف الغربية والتوجه نحو الاتحاد السوفيتي الذي كان في نفس الفترة يأخذ موقع الصديق الجديد لمصر عبد الناصر الذي أصبح رئيساً لمجلس قيادة الثورة بعد إعفاء اللواء محمد نجيب من منصبه في 14 تشرين الثاني/ نوفمبر 1954.


ومرةً أخرى لم تصمد وزارة العسلي كثيراً إذ أعلن استقالة حكومته في 6 أيلول/ سبتمبر 1955 على إثر الانتخابات الرئاسية التي جرت في 18 آب/ أغسطس 1955 وتنافس فيها كلٌ من شكري القوتلي العائد من مصر بعد إزاحة الشيشكلي، وخالد العظم الطامح إلى الزعامة، وطلب الرئيس الجديد من سعيد الغزي الذي لا ينتمي إلى أيِّ حزب سياسي تشكيل حكومة جديدة شكلّت تواصلاً في السياسة الخارجية لسورية التي لعب الدور الشعبي دوراً كبيراً في تقاربها باتجاه مصر، الأمر الذي دفعها إلى توقيع عقد حلف عسكري مع مصر بعد مضي شهر واحد على استلامها .


ما يمكن قوله هو أنه مع هذا التبديل الحكومي الشديد الوفرة والذي عكس تأرجح النظام السياسي القائم في سورية وعدم تأسيسه لقواعد أو تقاليد ديمقراطية تحفظ عليه استقراره وبنفس الوقت تدفعه لمجابهة عدّوه الذي ما فتئ يكرر استفزازاته المستمرة على الجبهة، حدثت واقعة اغتيال العقيد عدنان المالكي رئيس أركان الجيش السوري في 22 نيسان/ أبريل 1955الأمر الذي كشف عمق الخلافات الحزبية والشخصية داخل الجيش السوري، وهو ما دفع إسرائيل إلى استغلال فرصتها القائمة في ضعف الجيش السوري وبنفس الوقت توجيه رسالة سياسية رداً على الحلف العسكري السوري المصري الجديد، فقام لواء من الجيش الإسرائيلي بهجوم على المواقع السورية على الشاطئ الشمالي الشرقي لبحيرة طبرية وذلك في ليلة 11-12 كانون الأول/ ديسمبر 1955 وقد أطلقت عليها إسرائيل اسم "عملية أوراق الزيتون" أو "كنيرت طبرية" وأدت إلى تدمير المواقع السورية ومقتل 54 سورياً بمن فيهم ستة مدنيين بينهم ثلاث نساء وقد قادها في تلك الفترة أرييل شارون .


الوضع في لبنان فيما يتعلق بالجيش ليس شبيهاً بما كان في سورية، لكن الوضع السياسي في لبنان هو اليوم أكثر تأزماً، وحجم التدخلات الدولية أكثر صراحة ومباشرة، والطرف الإسرائيلي اليوم معنيٌ أيضاً بشكل أكيد بكل ما يجري.

والحريري اليوم ليس شبيهاً بالمالكي، وإن كان هناك تقارب في حجم التأثير الداخلي والدولي. ورغبة "المعارضة" في تغيير توجه السياسة الخارجية للبنان يشبه بما طالب به العظم .


لكن، يبقى تكرار السيناريو السوري السابق في انحلال النظام السياسي مما دفعه باتجاه الارتماء "طوعاً " في حضن عبد الناصر قائما،ً لكن دون الدخول في حرب أهلية تبدو مستبعدة تماماً في لبنان، فالفرز اليوم سياسي وليس طائفيا،لكن تعميق المأزق لا يبشر بالخروج بما يطمح إليه اللبنانيون .


ويبقى الرهان الرئيس على المجتمع اللبناني الذي يعلمنا الكثير في حريته ومدنيته وحضارته، التفاؤل اليوم يغلب التشاؤم، لكن يبقى استحضار التاريخ هنا للذكرى والعبرة. ألم يقولوا أن التاريخ هو أبو العلوم .


كاتب سوري

التعليق