الشطرنج السياسي وبوبي فيشر

تم نشره في الثلاثاء 29 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

    ما من احد يعتقد ان الولايات المتحدة تلاحق احد كبار عباقرتها بتهمة مخالفته لحظر مفروض على دولة ما. وليس من الممكن تخيل ان المخالفة المرتكبة من هذا المواطن لا تتعدى حدود قيامه بالمشاركة في بطولة الشطرنج العالمي التي عقدت في يوغوسلافيا عام 1992 خلال الحظر المفروض من قبلها على تلك الدولة. المواطن المذكور هو روبرت فيشر بطل الشطرنج العالمي، الاميركي الجنسية، وليس اقل من ذلك.
 
     في ذلك العام رفض فيشر الامتناع عن المشاركة في بطولة الشطرنج العالمي ضد سباسكي متحديا القرار الرئاسي الذي صدر بمنعه من المشاركة في تلك البطولة ورفض فيشر الامتثال لهذا القرار استنادا إلى اعتبارين رئيسين: انه لا يخالف قانون الحظر العام باعتبار ان المشاركة في البطولة ليست من قبيل النشاطات التجارية التي وردت في قرار الحظر، بالاضافة الى ان استصدار قانون خاص لمنعه شخصيا من المشاركة يمثل مخالفة دستورية للقانون الاميركي حيث لا يعقل استصدار قانون لمعالجة حالة شخصية مهما بلغت اهميتها.


        إثر ذلك أصدر القضاء الاميركي مذكرة جلب بحقه الامر الذي اضطره الى مغادرة الولايات المتحدة الى اليابان بفعل مضايقات السلطات الاميركية المتواصلة له. لدى وصوله الى مطار طوكيو اتهمه الامن الياباني ان جواز سفره غير صالح وبأن هناك طلبا من الحكومة الاميركية لإلقاء القبض عليه وتسليمه لها فتم توقيفه ريثما يتم البت بأمر تسليمه. طعن فيشر بقرار التسليم امام القضاء الياباني وخلال اجراءات المنازعة القضائية حول صحة طلب التسليم عمل فيشر على الحصول على الجنسية الآيسلندية ولقيت فكرة الذهاب للإقامة فيها ترحيبا ودعما كبيرا من حكومتها. وبالفعل تمكن فيشر بتلك الطريقة بالخروج يوم الخميس الماضي من زنزانته في طريقه الى آيسلندا مرورا بكوبنهاجن.


       والقصة الحقيقية للبطل العالمي هذا ان الولايات المتحدة كانت تحمل عليه مواقفه المناوئة للصهيونية والسياسة الاميركية الداعمة لها علما أن البطل المذكور هو من ام يهودية إلا انه كان مدركا لحقيقة خطر تلك السياسات التي اعلن نبذه لها علنا وبالعديد من المناسبات. وقد اخذت الادارات الاميركية، في ضوء مواقفه الجريئة هذه بارتكاب العديد من المضايقات بحقه الى ان بلغ الامر بالإدارة الاميركية استصدار قرار لمنعه من دورة 1992 للشطرنج في يوغوسلافيا.


     الادارة الاميركية اليوم لن تألُ جهدا في تلفيق المزيد من الاتهامات ضده وهي تعمل الآن على الظن عليه بتهمة غسيل الاموال او غيرها من التهم التي قد تتمكن من حبكها بطريقة ما ضده حتى ولو اقتضى الامر وضعه في مصاف ابن لادن والزرقاوي الفارين من وجه عدالتها.


      تلك هي باختصار الصورة الحقيقية للسياسة الاميركية حين يتعلق الامر بحقوق مواطنيها إذا جاهروا علنا بمواقفهم ضد السياسة الصهيونية وأبوا الانجراف وراء آلتها الاعلامية والاوهام الكاذبة التي تعكسها عن مشروعها في المنطقة والعالم.


       والاغرب اليوم ان الحكومة اليابانية التي تحتفل سنويا بذكرى مجزرة هيروشيما تخشى ان تثير غضب إدارة بوش وكانت على استعداد بقضية فيشر ان تقوم بتسليمه الى الحكومة الاميركية وأن ترسل جيشها الى العراق رغم معارضة الشارع الياباني الواسعة ضد هذا الارسال.


        عندما كانت بعض الدول العربية ترفض المشاركة ببطولات رياضية لوجود فرق اسرائيلية فيها أخذ عليها من الاعلام الغربي الخلط  بين القيم الرياضية والسياسية وان المواطن العربي متطرف في تفكيره الى تلك الحدود. هذا ما ترشقنا به وسائل الاعلام الغربي وهذا ما تمارسه الادارة الاميركية ضد مواطنيها الذين يتجرؤون على السياسة الصهيونية، فأي الموقفين أشد تطرفا من الآخر.؟؟

التعليق