إصلاح مجلس الأمن بين المطالبين والرافضين

تم نشره في الثلاثاء 29 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

     بدأت في الآونة الأخيرة العديد من المطالبات وبخاصة من ألمانيا واليابان لإصلاح مجلس الأمن الدولي، حيث تستند معظم هذه المطالب على ضرورة إصلاح المجلس الأكثر أهمية في السياسة العالمية والذي أخذ يتحول وبصورة واضحة إلى أداة تنفيذية للسياسة الخارجية الأميركية.


    هذه القضية طرحت سؤالاً أساسياً: هل ضعف مجلس الأمن هو سبب الهيمنة الأميركية عليه، أم أن مجلس الأمن منح قوة هائلة لأعضائه الدائمين؟


     في الحقيقة أعتقد أن النظام الداخلي لمجلس الأمن هو الذي أدى لهيمنة الدول الكبرى عليه وهو الذي أتاح ازدواجية المعايير عبر التمثيل غير العادل للدول داخله فهل من المنطقي أن تشكل القوى الغربية أربع أخماس المقاعد الدائمة على الرغم من أن مجموع عدد سكانها أقل بكثير من مثيلها في أفريقيا وآسيا وأميكا اللاتينية.


    إذن سنعود للسؤال السابق، لنقول إن المسألة تتعلق بطبيعة وتركيبة المجلس التي تفتح المجال لأي قوة عالمية بالهيمنة عليه، بمعنى، لماذا لا تستخدم واشنطن مجلس الأمن لتحقيق هيمنتها على مسرح العلاقات الدولية ما دام نظام المجلس فتح لها المجال؟


     من هنا تبرز ضرورات إصلاح مجلس الأمن من خلال مجموعة من سلوكيات دولية قائمة على ازدواجية التعامل مع القضايا المطروحة، وهذا واضح في أسلوب التعامل الصارم مع العراق مقابل التعامل المرن مع إسرائيل، ولعل هذه الملاحظة الشائعة والمعروفة في كافة الأوساط تتضاءل أمام الضرورات الملحة التي تحدث عنها د.حسن نافعة في كتابه "الأمم المتحدة في نصف قرن"، ومن أهمها، عدم ملاءمة تشكيل مجلس الأمن بصورته الحالية لخريطة وموازين القوى الجديدة في العالم المعاصر، فقد كان عدد مقاعد مجلس الأمن سبعة مقاعد عند نشأة الأمم المتحدة في الوقت الذي كان فيه عدد الدول الأعضاء لا يتجاوز 51 دولة، أما الآن فإن عدد مقاعد المجلس خمسة عشر مقعداً في وقت وصلت فيه العضوية في الأمم المتحدة إلى 191 دولة. ناهيك عن مسألة هامة أخرى وهي أن العضوية الدائمة في مجلس الأمن مغلقة على الدول الكبرى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية بمعنى أن نظام مجلس الأمن افترض تفوق تلك الدول واحتفاظها بدورها على مسرح العلاقات الدولية، على الرغم من التغير الكبير الذي اعترى الخارطة السياسية والاقتصادية، حيث أصبحت الدولتان الأكثر تضرراً بعد الحرب الكونية الثانية وهما اليابان وألمانيا من أبرز الدول الصناعية بل إن حصة ألمانيا في التجارة العالمية تقارب 10.5%، وبقائهما خارج المجلس يشكل أمراً مستغرباً، خاصة إذا ما نظرنا لاستحواذ روسيا بالوراثة على الفيتو الذي كان يملكه الاتحاد السوفيتي السابق القطب الثاني في حقبة الحرب الباردة.


       في ضوء ما سبق قدّم العديد من المفكرين مجموعة اقتراحات لإصلاح مجلس الأمن، تعلق بعضها بآليات تنظيمية على غرار ما قدمه الأمين العام السابق للأمم المتحدة د.بطرس غالي، حينما اقترح إنشاء مراكز إقليمية فرعية لدراسة المشكلات التي تهدد إقليم ما، بالإضافة إلى استخدام وسائل الدبلوماسية الوقائية والاعتماد على اجتماعات مجلس الأمن خارج المقر لإضفاء أجواء أكثر راحة وسلمية، إلى جانب اقتراح خاص بإنشاء وحدات فرض السلام التي ستكون مسلحة بصورة أفضل من القوات المستخدمة لحفظ السلام.


        بالمقابل ظهرت أصوات فكرية تنادي بتغيير النظام الأساسي لمجلس الأمن بحيث يتم توسيع العضوية، وفي هذا المجال يبرز اسم د.حسن نافعة الذي قدّم عدداً من المقترحات عبر ضم أعضاء جدد دائمين إلى مجلس الأمن يكون لهم نفس حقوق الأعضاء الخمسة الحاليين، أو ضم أعضاء جدد دون أن يكون لهم حق الفيتو، وتبرز أهمية هذا الاقتراح إذا ما تذكرنا أن أي قرار ملزم في مجلس الأمن يحتاج إلى تصويت تسعة أعضاء لصالحه من بينها الدول الدائمة، بمعنى إذا صوتت الدول الخمس الدائمة بالإيجاب ولم تصوت أربع دول إيجاباً فإن القرار لن يصدر.


         أما الاقتراح الثالث يتعلق بإيجاد فئة عضوية جديدة تحتل موقعا وسطا بين العضوية الدائمة وغير الدائمة، بحيث يتم تبادل المقاعد المخصصة لهذا النوع بين عدد محدود جداً، على سبيل المثال، تحصل قارة إفريقيا على مكانة دائمة في مجلس الأمن من خلال مقعدين أو ثلاثة تتناوب الدول الإفريقية عليها، على أن تنطبق على تلك الدول معايير معينة مثل عدد السكان، الوزن الإقليمي، القدرات العسكرية والاقتصادية.


        من جهة أخرى قدم "نافعة" اقتراحات تتعلق بأسلوب التصويت، من خلال إيجاد نظام جديد للتصويت يعتمد على الأغلبية دون منح أية دولة حق الفيتو، وهناك اقتراح آخر أقل حدة، يقضي كحد أدنى بضرورة اعتراض دولتين دائمتين في مجلس الأمن ليصبح الاعتراض حائلاً دون صدور القرار. 


        وانسجاماً مع هذه المقترحات ومع غيرها الكثير، يمكن قراءة التقرير الأخير الذي قدمه "كوفي أنان" أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في الحادي والعشرين من الشهر الحالي ودعا فيه إلى إصلاح المنظمة الكونية. لكن يبقى السؤال هل يتحول تقرير "أنان" إلى واقع تعتمده الدول في اجتماعها المقرر في شهر سبتمبر من العام الحالي؟ وهل سيتم اعتماد الاقتراح القائل بزيادة عدد المقاعد في مجلس الأمن إلى 24 مقعداً من خلال أحد الخيارين اللذين طرحهما التقرير، وأقصد، زيادة عدد مقاعد الدول دائمة العضوية إلى ستة، وإضافة ثلاثة مقاعد للدول غير الدائمة ليصبح عددها ثلاثة عشر، أم سيتم إضافة دولة واحدة جديدة دائمة العضوية إلى جانب ثمانية مقاعد شبه دائمة مدتها أربع سنوات. 

التعليق