العرب والغرب: صناعة الجهل المتبادل

تم نشره في الاثنين 28 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

  جهل العرب بالغرب، تعزز وعزز جهل الغرب بالعرب. فكلا الطرفين تعاون لينتج صورة كاذبة ومشوهة عن الآخر. فخلال القرنين التاسع عشر والعشرين، تمتعت نخبة الطرفين، ببيع الأكاذيب عن الآخر. وربما يؤرخ للقرن الحادي والعشرين، بأنه عصر التنوير الحقيقي. تنوير العرب بحقيقة الغرب، وتنوير الغرب بحقيقة العرب. ففرص الصدام الراهنة لا يمكن تلافيها دون اشتباك حضاري فعال، ولا يمكن بناء هذا الاشتباك على الكذب والوهم المضاد.

  الهجوم الذي شنه إدوارد سعيد على المثقفين الغربيين في كتابه الشهير الاستشراق، له ما يبرره، والكتاب نفسه تضمن مبررات هذا الهجوم وأثبتها. ولكن مشروع دراسة وتفكيك الجهل المتبادل بين العرب والغرب لم يكتمل بذلك الكتاب. فكما توجد صناعة غربية لتعزيز جهل الغرب عن العرب خدمة لحقائق القوة والمصلحة في المجتمعات الغربية، هناك صناعة عربية للجهل العربي عن الغرب تأسست منذ مطلع القرن التاسع عشر. فمنذ نشر كتاب تلخيص الإبريز في فهم باريس، للإمام رفاعة الطهطاوي، وهناك جهد حقيقي ليعاد رسم صورة الآخر (الغرب) لدى العرب، بشكل يتناسب مع حقائق القوة والمصلحة في العالم العربي. 
  الكم الهائل من الأكاذيب والحقائق المشوهة، التي قدمها المثقفون العرب عن الغرب، وإن لم ترتق بمستواها النوعي والفني لما قدمه المثقفون الغربيون من أكاذيب عن العرب، إلا أنها ساهمت بشكل حاسم في خلق صورة مشوهة للغرب في العالم العربي. وإحجام ملايين العرب الذين عاشوا فترات طويلة في الغرب، أكانوا طلاباً أو دبلوماسيين أو رجال أعمال عن تقديم أي مساهمة فكرية جادة وصادقة لمساعدة العرب على فهم الغرب له مبرراته الموضوعية، وليس مجرد عجز فكري. فأغلب هؤلاء لهم مصلحة في إدامة تلك الأكاذيب وتعزيزها. فما تزال هناك العديد من الأكاذيب والتجارب المستحيلة يرويها أساتذة درسوا في الجامعات الغربية، ودبلوماسيون عاشوا في الغرب، ورجال أعمال وطلاب. وهذه الأكاذيب لم تأت ناتج رغبة سطحية في الكذب. بل إن للكذب في التحليل الأخير وظيفة اجتماعية وسياسية، وفنية أيضاً، وهو ليس ناتج فاعلية مخيلة منحرفة. ولا يمكن الاكتفاء بالإدانة الأخلاقية لما قيل بحجة أنه كذب. فكما فعل إدوارد سعيد، وأثبت وجود كذب المثقفين الغربيين والمستشرقين وفسر هذه الأكاذيب ولم يكتف بإثبات وجودها، نحتاج نحن للبحث في ديناميكيات إنتاج الأكاذيب لدى العرب عن الغرب، أولا لنكشف لأنفسنا ما مورس علينا من كذب ومحاولات تجهيل، وثانياً لنكشف وظيفة هذا التجهيل ولنتصدى له، من أجل تمكين شعوبنا من بناء علاقة سوية مع العالم، باعتبارها شرطا ضروريا من شروط متابعة مشروع التقدم.

  ربما لو كانت هذه الأكاذيب موضوعية بصورة فنية راقية، وملتزمة بتقديم نفسها كحقائق محترمة، عبر وسيط محترم، كتاب، أو مذكرات أو ما شابه، لكان بإمكان مفكر غربي التصدي لها، كما فعل إدوارد سعيد مع المثقفين الغربيين، ولوجدنا مثقفا غربيا أو مستشرقا غربيا يكتب عن الاستغراب في الثقافة العربية. ولكن الأكاذيب العربية عن الغرب أخذت شكلا أكثر تخفياً. فقد عززت فرصها بتقديم أكاذيب ضد المنطق، برفض الدخول أو التعرض لأي فحص منطقي، عبر الاختفاء بأشكال غير قابلة للفحص. وهذه قد توصف بأنها أكاذيب أكثر فاعلية وأكثر نجاحاً من حيث عدم قابليتها للكشف. بحيث وضع المواطن العربي أمام خيارين، إما أن يقبل هذه الأكاذيب أو ينتج حقيقته المضادة.

  فالحقيقة أن المواطن العربي المحروم من كل فرص معرفة الغرب، لا يستطيع أن يواجه الأكاذيب الراهنة إلا بالوهم. والثابت أن الوهم قد يقلل من فاعلية الكذب، أو من فاعلية الذي يكذب، ولكنه بالتأكيد لا يقدم حقيقة مضادة توقف ديناميكية إنتاج الكذب. والرهان الآخر على تحدي أكاذيب العرب عن الغرب بالحقيقة هي مسؤولية بعض العرب الذين عرفوا الغرب، ولهم تجارب في التعاطي معه. ولكن لأغلب هؤلاء، حتى بعد أن يكتشفوا ما تعرضوا له من كذب، مصلحة في التواطؤ مع الكذب، إن لم يكن لهم مصلحة في تعزيزه. فالذي يجري أنه ما أن تتاح لأي عربي فرصة في اكتشاف الكذب الذي يمارسه الخطاب الرسمي العربي، أو الخطاب المدعوم من المؤسسة الرسمية، حتى تتشكل له مصلحة في التواطؤ مع هذا الكذب.

  فحتى يكتشف العربي أن ما تشكل له من معرفة عن الغرب هي نتائج سلسلة من الأكاذيب، يحتاج أن يعيش تجربة معاينة الغرب والتعرف إليه بشكل مباشر. وما أن يحظى بهذه الفرصة، أكان طالباً أو رجل أعمال، أو عالماً، حتى تتشكل له مصلحة في إدامة تلك الكذبة. فهو عندما يعود من الغرب، يعود وهو مسلح بما يكفي ليكون شريكاً في الحصول على عائدات تصديق الناس للكذبة. وهذه تؤهله للحصول على منافع كثيرة، قد لا يكون من العقلانية التخلي عنها فقط خدمة للحقيقة. وخصوصاً أن كل وقائع حياتنا مليئة بالكذب وأنصاف الحقائق. وربما حياة العرب الفكرية والثقافية هي أوضح نموذج لنجاح محاولة الاستعاضة بالقوة لقهر الحقيقة ولَيّ عنقها. فلماذا يدفع بعض العائدين من الغرب ثمن تبيان الحقيقة؟

  ففي ظل سعي العربي العائد من الغرب للحصول على اعتراف من مجتمعه، تخدمه أكاذيب اعتراف الغرب به، كوسيلة لانتزاع الاعتراف به في بلاده. وكل قيمة الشهادة العلمية من الجامعات الغربية قائمة على هذا الأساس. فالعربي يذهب للغرب للحصول على شهادة (والشهادة العلمية التي يمنحها الغرب لطلابنا كدليل على فهمهم) ضرورية لتمكينهم من الحصول على الاعتراف بهم. فالعربي في الغرب لا يعود مسلحاً بمهارة ويريد مواجهة المجتمع بممارسة هذه المهارة. إنه يعود من الغرب، في أغلب الأحيان، مسلحاً بشهادة فقط. وهذا الشهادة قد تكون زائفة. وحتى لو كانت حقيقية، فإنها مثل الشهادة الزائفة تحتاج إلى سلسلة أكاذيب معدة بعناية حتى تصبح مفيدة لمن يحملها ويريد أن يحصل من المجتمع العربي على ثمن وعائد واستحقاق اعتراف الغرب به. فالشهادة، كبديل عن المهارة الحقيقية المباشرة، تحتاج إلى أن تعزز عبر الأكاذيب. فأغلب الذين عادوا من الغرب، اصطدموا بكتلة اجتماعية تقليدية أرادوا كسر احتكارها للقوة والموارد. وأسسوا منافستهم معها، ليس فقط عبر اعتراف هذه الكتلة بهم ومحاولتها الاستفادة منهم، بل أرادوا أن يكونوا شركاء في احتكار السلطة والموارد.

  وسعي هذه الكتلة لفرض نفسها على معادلة القوة والمصالح، وعجزها عن أن تحرك الناس خلفها، وتعيد اندماج نفسها مع الكتل الشعبية، حولها إلى فريق هامشي في المجتمع يكتفي بإجراء المساومة، معززا فرص مكاسبه من هذه المساومة بالكذب، بحيث يتأكد عبر هذا الكذب أنه مهما حصل عليه من سلطة ومال، سيبقى هامشياً ولن يتجذر. وهذه المعادلة أرضت القوى التقليدية. فهي تستطيع أن تمنح العائدين من الغرب بعض المكاسب، ولكن تبقيهم في سياق الكذبة، معزولين عن مجتمعاتهم. وتشكل للكذب العربي عن الغرب وظيفة خطيرة وهائلة، وهي عزلة العائدين من الغرب عن التكيف والاندماج من جديد مع مجتمعاتهم. فالكذبة هي التي تدفعهم للبحث عن جيتوهات غنية ومرفهة داخل مجتمعاتهم، وتحولهم إلى بنية هامشية موازية لحركة المجتمع ولكنها ليست مندغمة معها.

  وهذه الأكاذيب هي التي فرغت ما يمكن أن يسمى بفجوة الحضور الغربي، أو حاوية الحضور الغربي في المجتمع العربي عبر كتل من الأفراد العرب يتمثلون السلوك الغربي، من أي وظيفة إيجابية. حيث تحولت أحياء العرب الذين يعيشون بنمط غربي في أغلب العواصم العربية عبارة عن معازل، أو حاويات تعزل تجربة بعض العرب في الغرب عن بقية المجتمع العربي. وتركزت وظيفة هذه الأحياء بتعزيز غربة الكتل الاجتماعية العربية عن حقيقة الغرب، وحرمانها من معرفة هذه الحقيقة. ومنعت هذه الأحياء العرب الذين عادوا من الغرب من أن يكونوا رافعة لتنوير المجتمع العربي بحقيقة الغرب.

  وبالتالي فإن مواجهة كذبة العرب عن الغرب، ليس من شأنها فقط تحرير الجماهير العربية من هذه الكذبة، بل وتحرير العائدين من الغرب من عزلتهم التي انتجت الكذبة أطواقها وأسوارها. وأيضاً تطوير موقف الغرب من العرب، ومواجهة أكاذيبهم عن العرب. فالعرب من أكثر الأمم شكوى من جهل الغرب بحقيقتهم، ولكن جهلهم بحقيقة الغرب، وكذبهم عن هذه الحقيقة يعزز كذب الغرب عن حقيقة العرب. 

  وللإنصاف لا بد من الإشارة إلى تواطؤ الغرب عن كذب العرب عنهم. فقد أرادوا كسر صمت وتجاهل العرب لوجودهم. فقبلوا أن يكونوا موضوعاً (لمعرفة) متجددة، حتى لو كانت مبنية على الأكاذيب كبديل للصمت والتجاهل الذي حكم موقف العرب منهم خلال مرحلة ما قبل بدء إنتاج الجيل الجديد من الأكاذيب مطلع القرن التاسع عشر.

  كل هذا التراث من استبدال التجاهل بالكذب، والحقيقة المشوهة عن سابق إصرار، لن يكون بالإمكان مواجهته بين ليلة وضحاها، وبمجرد الدعوة لعدم الكذب. إنه يحتاج إلى جهود حقيقية وكبيرة لمواجهته. كما أنه ومن جهة أخرى، فإن الطرفين العرب والغرب، بحاجة الآن أكثر من أي وقت مضى لمواجهة جهلهم عن بعضهم بقوة. فثمن هذا الجهل أصبح فادحاً بشكل كبير، ولم تعد عوائد الكاذبين تبرر الصمت عليهم. فكلفة هذه الأكاذيب، كبيرة إلى حد هائل، وتحتاج إلى مواجهة من الطرفين.

التعليق