استراتيجية فوضى المفاهيم أخطر أسلحة السيطرة

تم نشره في الأحد 27 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

يسعى المخططون لابتكار أفضل الوسائل وأسرعها وأقلها خسارة لتحقيق هدفهم الأسمى بالسيطرة على بلد ما أو الهيمنة السياسية في عصر أصبح الاحتكام الى تفوق التكنولوجيا النوعي والفتاك سمة أساسية من سمات الصراع الدولي بكافة أشكاله السياسية والاقتصادية والفكرية والدينية. وبالتأكيد فان المخطط المبتكر والمتفوق هو ذلك الذي يضع خطة متكاملة لانجاز المهمة وديمومتها وليس فقط لانجازها ومن ثم تعرضها للانتكاس السريع أو ربما الانهيار والفشل اللاحق بسبب عوامل قد يكون المخطط أغفلها أو إعتبرها ثانوية وغير حاسمة أثناء التحضير والتخطيط. وبالتأسيس على ذلك يعجز تفوق التكنولوجيا عن تحقيق الهيمنة المطلوبة من التخطيط الاستراتيجي أو على أقل تقدير قد تكون الهيمنة منقوصة ووقتية أو ذات خسائر فادحة لا يقوى المخطط على تفاديها.

ونعتقد  أن "صناعة الفوضى" الفكرية والتبريرية والتحليلية والاعلامية تبرز على أنها أحد مرتكزات التخطيط الاميركي البريطاني الاسرائيلي في المنطقة العربية ونتيجة متعمدة للغزو الاميركي البريطاني للعراق واحتلاله, والهدف منها خلط المفاهيم وتشظية مواقف الرأي العام الذي قد يضغط على الحكومات الموالية والمتورطة في المشروع الاميركي البريطاني في المنطقة. وبلا شك أن الفوضى تؤدي الى تعددية في الطروحات والمفاهيم المعروضة على الرأي العام من خلال وسائل وقنوات عديدة أهمها الوسائل الاعلامية وخصوصا المرئية لتأثيرها المباشر في قولبة رأي  الجمهور.

وقد أشرت في كتابات سابقة الى أن المفاهيم السياسية الأخلاقية الرئيسية, مثل الوطنية والعمالة والتحرير والديمقراطية وحرية الاختيار وحقوق الانسان, قد لبست ثوبا "فكريا ومفهوميا" مصنوعا جديدا وفق القياسات الاميركية والبريطانية, نتيجة غزو العراق واحتلاله, بحيث أصبح الدفاع عن الوطن وشعبه "عمالة" وتحريض الاجنبي والاستقواء بقواته على تدمير الوطن ونهب خيراته "تحريرا" وفرض متعاونين مع الاحتلال على سدة الحكم "ديمقراطية" والقتل والتدمير وانتهاك حرمات المواطنين والسجناء ومقدساتهم, مثل حوادث سجناء ابوغريب والبصرة وأم قصر, حماية لحقوق الانسان, ومقاومة الاحتلال المسلحة "إرهابا". وكان الهدف من تلك التبويبات الجديدة إحداث خرق والتباس في المسلمات الاخلاقية والاجتماعية والدينية والسياسية لدى الشعوب المستهدفة كي تسهل عملية السيطرة عليها بأدوات محلية تعمل "طابورا خامسا" في الترويج للافكار والمفاهيم الجديدة من جهة وتجبر المواطنين بصيغ ووسائل عديدة, منها القمع والاضطهاد والرشوة ومنح الامتيازات, على الانحياز الى تعريفات المفاهيم خدمة للمخطط الاجنبي.

وقد خلقت تلك الخطط والممارسات والاهداف طبقة جديدة من "المروجين" أو "المصنّعين" بالنيابة داخل الدوائر السياسية والثقافية والاعلامية في البلدان المُستهدفة. وينقسم هؤلاء الى مجموعتين: الاولى تمارس دورها بوعي كامل وتعاون وتنسيق مع الاجنبي, وهي تعلم مدى الضرر الذي يحيق بمجتمعاتها وان النتائج تصب في صالح المخطط الاجنبي, وأخرى "تغريها وتجذبها" العبارات الرنانة الطنانة البراقة للافكار معتقدة انها نافعة لبلادها فتركب الموجة وتروج لمنافعها. وهذه الفئة الثانية هي الاهم من وجهة نظر المخططين الاجانب والمتعاونين معهم لانها غير مرتبطة علنيا بتلك المخططات وتحظى بمصداقية ومقبولية لدى الجمهور الاوسع أما لاستقلاليتها أو لنزاهة تاريخها وأجواء الثقة المحيطة بها. كما أن هذه الفئة هي الأخطر على المشروع الوطني لانها تستطيع احداث الاختراق المطلوب بالانابة ودون الحاجة لتبريرات أو "صك وطني" بالبراءة.

ويحقق المخطط الاجنبي من ذلك هدفين رئيسيين: الاول شق الصف الداخلي الى فئتين أو عدة فئات, حسب نوعية المفاهيم وتعددية طبقات المجتمع السياسي والديني والاجتماعي المستهدفة, بحيث تختفي الجبهة الداخلية الموحدة في مواجهة ذلك المخطط والثاني انشغال الداخل بتلك النقاشات المفهومية وتبريراتها فيما يتحول المخطط الاجنبي وأهدافه من عامل رئيسي في الازمة الى قضية ثانوية أو "مُغفلة" في الجدال المحتدم. وفيما يستمر الانشغال الداخلي تتحول صورة الاجنبي من "غاصب ومحتل طامع" الى "حكم ووسيط وديمقراطي" .

وفي المنطقة العربية والعالم الاسلامي أمثلة عديدة على ذلك: فلم يعد احتلال فلسطين وسلب حقوق الفلسطينيين في ارضهم وخيراتهم ومقدساتهم هو الاساس وإنما "الارهاب الاسلامي" ودور المقاومة المسلحة "السلبي والتعويقي" للتنمية والاستقرار, ولم يعد الاحتلال واقتلاع الشعب من أرضه المشكلة, وإنما مبادلة "جزء" من الارض المحتلة, يقرر حجمه المحتل, بالسلام بين المحتل وضحاياه.

وهذا السلام ليس لصالح "المتضرر الفلسطيني العربي المسلم المسيحي" وانما "إقرار وعرفان" للمحتل وتبرئته من جريمة الاحتلال والقتل والتدمير والتشريد. وتشرذمت المواقف الفلسطينية بين منظر ومؤيد ومناهض ومقاوم لهذا الاتجاه أو ذاك فضاعت وحدة الصف الداخلي الى درجة أن الحكومة المصرية تدفع الاطراف الفلسطينية الى عقد لقاءات توفيقية في حوار فلسطيني فلسطيني في القاهرة وبرعاية رئيس جهاز المخابرات المصرية عمر سليمان. الهدف ليس اعادة وحدة الصف في مواجهة المخطط الاحتلالي الاجنبي وانما "سحب" المناهضين له في الاوساط الفلسطينية الى جانب "المؤيدين" أو "المتعاونين" أو "المهادنين", مهما تكن الاوصاف, مع ذلك المخطط.

والصورة نفسها, ولكن بدموية وحدة أقسى, تجري في العراق. وبعد أن أصر المتعاونون مع المحتل, والذين وصلوا الى سدة الحكم الحالي وجمعيتهم البرلمانية, على أن قوات الاحتلال الاميركي البريطاني باقية في العراق ولا يوجد جدول زمني لرحيلها, تركز النقاش المحتدم داخل العراق على توزيع المناصب, بين الاكراد وعناصر شيعية موالية لايران, وحدود الفديرالية, هل هي عرقية خاصة بالاكراد أم جغرافية, وهل كركوك كردية أم عراقية, وعن الدستور وان كان اساسه اسلاميا أم وفق قانون ادارة الدولة الذي وضعه الاسرائيلي نوح فيلدمان وأوصل الشخصيات الحالية الى سدة الحكم. وفي العراق ايضا, المقاومة المسلحة ارهاب لان بين القتلى "أو الشهداء", حسب تنوع التسميات والارتباطات السياسية, جنود الاحتلال ومدنيون وشرطة وحرس وطني عراقي, رغم أن هؤلاء, كما يقول المناهضون للاحتلال, يساعدون قوات الاحتلال في عملياتها ويداهمون البيوت ويقتلون المواطنين. وهكذا خلقت صناعة الفوضى المفاهيمية عدة قضايا داخلية ساخنة تختلف حولها العديد من الاطراف والاتجاهات الفكرية والسياسية والاخلاقية والدينية فتشرذمت مواقف المجتمع العراقي وفقد وحدته الضروية لمناهضة الاحتلال.

وهذه الشرذمة مفيدة لاستمرار الاحتلال وتحقيق هدفه في الهيمنة دون خسائر فادحة أو كبيرة، فيماقاد الصراع, وبعضه مسلح دموي, الى تصادم محتدم بين العراقيين أنفسهم بدلا من أن يكون بينهم وبين المحتلين. ومرة أخرى كانت الادوات متعاونين مع قوات الاحتلال وجهات إنجذبت الى المشروع الاحتلالي دون وعي لاهدافه التدميرية ووسائل اعلام يعمل أغلبها تحت مسميات براقة وعباءة وطنية تستخدم لخداع الجماهير.

التعليق