الاردن عين العراق وبوابته على العالم

تم نشره في الأربعاء 23 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً


ماذا يحدث بين عمان وبغداد ولماذا تتتابع الاحداث الانفجارية بين هاتين العاصمتين اللتين رسمتا بدماء ابنائهما سجلهما الخاص من علاقات التاريخ والجغرافية والجوار المزدهر.

بداية كانت المفاجأة كبيرة عندما أفاق العراقيون والاردنيون على خبر تفجير السفارة الاردنية في بغداد من خلال عملية انتحارية اقتحامية لهذا المبنى. وقد لا تكون مصادفة ان الانفجار التالي استهدف مقر بعثة الامم المتحدة في العراق. واذا  كان من رابط بين الاثنين فهو يتمثل بأن الاردن والامم المتحدة جاءا العراق لبلسمة جراحه وانهما يقفان على مسافة واحدة من مكوناته المجتمعية والسياسية. ثم تتابعت الملفات من الجانبين الاردني والعراقي  والشيعة بخاصة.

هناك الملف القديم الجديد المتصل بمصرف البتراء وبما ينسب من دور للسياسي العراقي المعروف أحمد الجلبي في وصول هذا المصرف الى حالة الافلاس. وليس غريباً أن الحرب في العراق وما تبعها من سقوط للنظام وقيام لمجلس الحكم العراقي ومن وجوهه المعروفة كان الجلبي بالذات، قد تداخل كل ذلك مع تسريبة تقول ان الاردن تدخلت لدى الرئيس الاميركي جورج دبليو بوش لصرف منصب رئاسة الحكومة عن الجلبي الى حليفه اللدود اياد علاوي.

الملف الثاني وهو قديم أيضا ولكنه معكوس هذه المرة، ويتصل بالوجود العراقي في الاردن، فكما كان النظام السابق قبل سقوطه كان يشكو من ان الاردن يؤوي عناصر معارضة له ويعطيها فرصة للعمل والتواصل مع مؤسسات اقليمية ودولية، فالشكوى اليوم من زعم يقول ان الاردن يؤوي عناصر النظام السابق الذين يتخذون من الحدود الاردنية منطلقا لتنفيذ عمليات عسكرية وتفجيرية وانتحارية في مواقع مختلفة من العراق.

ومع كل استحقاق عراقي تزداد العلاقة توتراً وصعوبة (الامر نفسه ينطبق على علاقات دول الجوار الاخرى مع العراق)، وكان التفجير الكبير المتعلق بالتحذير الاردني من دور ايراني يسعى لاقامة هلال شيعي، مرتبطاً بقرب حصول اول انتخابات برلمانية في العراق، وهي انتخابات قاطعها معظم سنة العراق مما طرح تساؤلات حول مستقبلهم الوطني وحول دورهم السياسي في هذا المجال.
وبحكم علاقات الاردن التاريخية مع العراق بخاصة في ظل الحكمين الهاشميين في البلدين، وفي مرحلة ما بعد الانتفاضة المعروفة باسم انتفاضة شعبان ودخول الاردن طرفاً مسانداً للشعب العراقي، تصدى الاردن لمؤازرة سنّة العراق ضد محاولات تهميشهم. فبدت مبادرته هذه وكأنها تتصادم مع تطلعات فئات عراقية اخرى بخاصة الشيعة والاكراد.

وهنا لا بد من الاشارة أن المعارضة العراقية السابقة (الحاكمة اليوم) كانت توزعت على دول الجوار وكانت الفصائل الاكثر استقلالية عن نفوذ انظمة الجوار تلك التي استقرت في الاردن او عبرت منه الى اماكن الشتات الاوسع في اركان العالم الاربعة.

وبعد سقوط النظام استعاد الاردن دوره كبوابة العراق الاولى ومينائه البحري والجوي بل توسعت العلاقة الاردنية وتعمقت فشملت ميادين تدريب رجال الشرطة وعناصر الجيش من العراقيين المنخرطين في أجهزة الدولة الناشئة، وتحولت قاعات الاردن ومراكز البحث والثقافة فيه الى ورشة عمل تخص العراق ومستقبله. اذ لا يمضي شهر بل اسبوع دون ان يشهد مؤتمراً او منتدى يخص العراق. في هذه الذروة جاءت مقولة الهلال الشيعي على شكل انفجار سياسي سعت دوائر كثيرة لتوظيفه في استحداث قطيعة بين الملك الهاشمي في الاردن وبين الشعب في العراق. مع ذلك لم يمكن (وربما لم يكن مطلوباً) ان يتعدى مشهد التوتر السياسي الى حالة شعبية كتلك التي حصلت بعد قضية الانتحاري الذي فجر نفسه في جموع من أهل الحلة بغض النظر عن مدى صحة الربط بين هذا التفجير وبين المواطن الاردني رائد البنا الذي نقلت اخبار عن ان اهله اقاموا له عرساً بدل سرادق العزاء. منذ البدء كان لهذا الربط، ان صح او بطل، وقع ودوي مختلفان عن كل الذي مضى، وهذا طبيعي لخصوصية الحال ولاستثنائية مرابطها او مراكز تقريرها. ولكن السياق الحدثي نفسه لا يقر ضخامة الانفجار السياسي الذي صاحب الانفجار الانتحاري. بل ان مثل هذا التفسير مرتبط بالتجاذبات المتعلقة بتشكيل الحكومة العراقية ومجلس الرئاسة واستكمال العملية السياسية بما تحفل به من تنافسات بين المكونات السياسية والاجتماعية وداخل مكونات بعينها، كما هو الحال داخل الشيعة بعامة وداخل لائحة الائتلاف بخاصة.

لا شك ان تصدي المجلس الاعلى للثورة الاسلامية في العراق (الاسم لم تعد له الايحاءات التي كانت له عند تشكله في ثمانينيات القرن الماضي مع اتقاد نار الحرب العراقية - الايرانية) لقيادة تظاهرات شعبية عراقية على صلة بقضية البنا وقضية تفجير الحلة. ان ذلك لا شك يثير مجدداً حقيقة التضارب الايراني ـ الاردني بما يتصل بالشأن العراقي رغم النقلات الكبيرة التي حصلت في العلاقات الاردنية - الايرانية والزيارات المتبادلة على مستوى القمة.

العراقيون بصورة عامة، والشيعة منهم بخاصة، يشعرون بجرح مزدوج: جراح العمليات التي تستهدف مراكز سكنهم وعملهم ومستشفياتهم ودور عباداتهم وجراح لا تقل عمقاً مما يرونه اهمالا عربياً رسمياً وشعبياً، لقضيتهم بالاضافة الى ما يلمسونه من تجن من قبل بعض وسائل الاعلام، مع ذلك لا بد ان الاردن الدولة، الاردن الهاشمي، كان، وما زال، من اقرب الدول العربية الى المجتمع العراقي بتنوعاته، لذلك لا بد للمراقب ان يسأل اذا ما كان هناك قوى خاصة خفية حركت مسألة العرس لرائد البنا وربطته بحادثة الحلة بالذات، ام ان بعض العناصر من القوى التي تمارس ارهابها ضد الشعب العراقي قد اصابها اليأس من ايقاع الشيعة في أتون الفعل ورد الفعل حتى تقع فتنة في العراق لا تلبث ان تمتد الى المحيط، وانها وجدت في الساحة الاردنية المادة الاقرب الى الاشعال اوالاكثر سرعة للاشتعال، فكان ما كان، لان وضع شيعة العراق في مواجهة الهاشميين في الاردن، ووضع الاردن في مواجهة العراق، انما هو انقلاب على طبيعة الامور.

فالعراق والاردن بلدان توأمان احدهما عمق الآخر وهذا يعكسه منطق التاريخ ومداخل الجغرافيا. والعقود الثلاثة الماضية شاهد كبير على ذلك فقد وجد العراقيون في محنتهم بوابة الاردن مفتوحة امامهم بكل الاتجاهات.

اما الشيعة في العراق والهاشميون فإن علاقتهما تعود على الاقل الى فترة عشرينيات القرن الماضي عندما طالب مراجعهم وعلماؤهم بملك عربي هاشمي لحكم العراق، وكان وصول الملك فيصل الاول الى العراق الذي اقام علاقات حميمية مع قادة الشيعة وعلماء الدين، وتجاوز العلاقات وحميميتها باجراءات سعت الى خلق فرص مناسبة للشيعة كي يدمجوا في اطار الدولة العراقية بعد مراحل التهميش التي عانوا منها في ظل الحكم العثماني. فقبلت وزارت الدولة الشهادات العلمية التي تصدر عن الحوزات الدينية للتوظف. وشُرِّعت المدارس الدينية، كما اوكلت وزارة التربية الى السيد عبد المهدي المنتفكي (وهو والد الدكتور عادل عبد المهدي السياسي العراقي البارز ووزير المالية في الحكومة الانتقالية والمرشح لمنصب نائب الرئيس في المرحلة الجديدة). وقد تواصلت علاقة الهاشميين مع حوزة النجف من خلال قنوات خاصة مع المرجع الاعلى ابو القاسم الخوئي، الذي ابدى جلالة المغفور له الحسين بن طلال اهتماما خاصا بوضعه لرفع عنت نظام صدام حسين ضده وضد تلامذته ومعاونيه. ومثل هذه العلاقة كان لها ان تمتد من خلال مؤسسة الامام الخوئي في لندن وعبر امينها العام الراحل السيد عبد المجيد الخوئي، وقد زار الملك الحسين المؤسسة اكثر من مرة وادار من خلالها حواراً مع رموز الشيعة على اتجاهاتهم المختلفة. وتحولت مؤسسة الخوئي الى سفارة ظل عراقية لدى الاردن (في ظل القطيعة بين الشيعة بخاصة والعراقيين بعامة مع السفارة الرسمية). وكان من انجازات هذه المرحلة تكثيف لقاءات التقريب بين المذاهب الاسلامية مرة في عمان ومرة في لندن واخرى في المنامة ورابعة في الرباط بل ان الهاشميين اسهموا اسهاما اساسيا من خلال الامير الحسن بن طلال (ولي العهد السابق) في ايصال اول مؤسسة اسلامية شيعية (مؤسسة الامام الخوئى الخيرية في لندن) الى العضوية الكاملة في المجلس الاقتصادي الاجتماعي التابع للامم المتحدة. وقد شهد الاردن تطوراً كبيراً في العلاقات مع الشيعة العراقيين عندما تحول مزار جعفر بن ابي طالب في مؤتة، بعد تحديثه وتجديد بنائه وتوسعته، الى مركز يقيم فيه الشيعة العراقيون في الاردن احتفالاتهم الدينية. وقد اقيمت احتفالية عاشوراء بصورة جماهيرية لاكثر من عام في هذا المقام وفي غيره من اماكن تواجد العراقيين في الاردن. بل وصلت الامور الى حد طرح مشروع تأسيس مجلس شيعي اردني لبعض الشيعة الاردنيين من اصول لبنانية. ولكن المشروع لم يصل مرحلة التنفيذ لاسباب تتعلق برؤية هذه الفئة من الاردنيين التي رأت ان تعمق اندماجها في المجتمع الذي استقبلها واعطاها كامل حقوقها.


وعلاقة الشيعة وشخص الراحل عبد المجيد الخوئي بالذات مع الهاشميين في الاردن تذكر بتلك العلاقة التي اقامها الامام موسى الصدر رئيس المجلس الاسلامي الشيعي الاعلى في لبنان مع الحكومة الهاشمية في الاردن والتي كان من ثمارها المعروفة حصول عدد كبير من الطلبة الشيعة اللبنانيين على منح دراسية في جامعات الاردن.

والواقع ان علاقة الشيعة اللبنانيين بالعائلة الهاشمية هي علاقة تعود الى مرحلة الثورة العربية الكبرى والتأييد الذي لقيته في مناطق الجنوب اللبناني والذي انعكس برفع علم الحكومة العربية فوق سرايا مدينة النبطية. بل انه اوائل الخمسينيات مع اغتيال الراحل عبدالله الاول عم الحزن والاسى مدن وقرى جبل عامل واقيمت مجالس العزاء والفواتح وندوات التأبين وانتشرت صورة الملك عبد الله منفردة او بالاجتماع مع نجليه نايف وطلال في معظم بيوت العامليين وبعضهم كان يحتفظ بها لعهد قريب.

نعم لابد للمراقب المنصف ان يعترف بان مياهاً كثيرة مرت تحت جسر العلاقات الشيعية مع الهاشميين. وطالت شيعة لبنان وشيعة ايران وشيعة العراق، ولكن الراهن اليوم ان العلاقة بين الهاشميين وشيعة العراق التي تحتاج الى عناية خاصة من الطرفين، كما يتطلب الامر مبادرة بل مبادرات اردنية تتصل بالعلاقة مع المرجعية في النجف الممثلة بالسيد علي السيستاني ومعه مراجع كبار من امثال الشيخ اسحق الفياض والشيخ بشير النجفي والسيد محمد سعيد الحكيم. ومبادرة اخرى بانهاء بعض الملفات المتصلة بعلاقة شخصيات عراقية اصبحت في موقع المسؤولية المنتخبة ومن غير المفيد ابقاؤها في منطقة القيل والقال يستغلها المصطادون في الماء العكر.

ومما يوفر مناخاً افضل لعلاقات الشيعة عامة مع الاردن حكومة وملكاً وشعبا اجراء حوار معمق مع ممثلي الشيعة في لبنان بخاصة حزب الله وحركة امل في ظل التطورات التي يشهدها الوضع اللبناني والتي سيكون لشيعة لبنان دور حاسم في تحديد صيغته، وهكذا نجد ان للشيعة حضوراً بارزاً في اكثر من دولة عربية (العراق- البحرين- لبنان) ترتبط بعلاقات خاصة مع الاردن بعامة ومع الهاشميين بخاصة. طبعاً بالمقابل على شيعة العراق وممثليهم ان لا ينسوا الايادي (وهي قليلة) التي امتدت لهم في فترة محنتهم. وان ينشئوا افضل العلاقة مع الاردن الجار والاردن الهاشمي، عين العراق وبوابته على العالم.
رئيس تحرير مجلة النور- لندن

التعليق