هل فقد العرب حيويتهم الثقافية ؟ وهل يستطيع العرب التفكير ?

تم نشره في الثلاثاء 22 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً


     من عبد الله العروي في " الإيديولوجيا العربية المعاصرة ، 1970 " إلى خلدون حسن النقيب في كتابه " آراء في فقه التخلف ، دار الساقي ، 2002 " والهاجس هو نفسه : كيف يمكن تجاوز ثقافة التخلف باتجاه الحداثة الكونية ؟

وعلى طول المسافة الممتدة من بداية عقد السبعينيات من القرن المنصرم إلى بداية الألفية الجديدة ، ظل المثقف العربي يهجس بالتخلف ويهاجم التقليد ، وفي هذا السياق قام العروي بتوصيف ثقافة المجتمع العربي التقليدي ، واصفاً إياها بأنها ثقافة مجتمع ميت وأنها ثقافة الانشطار الداخلي وثقافة استهلاك وتمتع .


     كان هجوم العروي على القيم التقليدية قد لاقى ترحاباً في أوساط المثقفين العرب الثوريين ، فقد وفر لهم هذا الهجوم غطاءًَ وبرر لهم هجمتهم الشرسة على التراث وكذلك نزعتهم الذاتية والانتقائية في التعامل معه .

ولكنه ـ أي هذا الهجوم ـ لم يحل بينهم وبين الوقوع في براثن ايديولوجيا الإحباط التي تعشش في أروقة الخطاب العربي المعاصر والتي يشتكي منها محمد عابد الجابري في بحثه عن آفاق المشروع النهضوي العربي ، وكذلك محمد جابر الأنصاري في نقده للهزيمة ومساءلته إياها ، وهذا ما يعترف به خلدون حسن النقيب على استحياء في تقريره عن ثقافة التخلف .

فهناك إقرار واضح بأن ايديولوجيا الإحباط تحايث الخطاب العربي المعاصر دافعة إياه باستمرار إلى عنق الزجاجة ، وإلى الهروب إلى الأمام بإيثار الشتيمة بدلاً من التفكير ، والاستسلام لإرادة عدم المعرفة بدلاً من الركون إلى إرادة المعرفة .


    في كتابه " آراء في فقه التخلف " يعترف خلدون حسن النقيب بأن عمله في نقد ظاهرة التخلف وثقافة التخلف بوجه أخص ، يترافق مع شيء من ايديولوجيا الإحباط ، ولكنه يعترف بأن ذلك بمثابة نتيجة لظاهرة التخلف التي باتت عصية على الاختراق وكأنها وسم يسم ثقافتنا المعاصرة التي تدين بمرجعيتها لا إلى الحداثة ، بل إلى التقليد .


    يميز النقيب بين تخلف الثقافة وثقافة التخلف ، الأولى يمكن استدراكها من خلال اللحاق بركب الحداثة والثقافة الإنسانية إذا ما توافرت لذلك الإرادة والرؤية المستقبلية . أما ثقافة التخلف فهي مراوحة في المكان والزمان وكأننا خارج التاريخ وخارج عصر العولمة .

فمع ثقافة التخلف يسود الجهل والاستبداد والقبول بالذل ويغيب العلم والحرية ، وهذا ما يفسر من وجهة نظر النقيب هذا العداء للديمقراطية في أوساط ثقافة التخلف والقبول بالاستبداد باعتباره العلامة الفارقة للمجتمعات المنطوية على نفسها .

 من هنا يمكن القول إن العلامة الفارقة لثقافة التخلف هي تخلف الفكر الذي يظهر على مستويين ، الأول : غياب الإرادة السياسية والثاني انعدام رؤية مستقبلية .


     يؤكد النقيب أن التخلف ليس ضعفاً في جهود التنمية وإنما هو تأخر وارتكاس ، وهنا يحلو وصف التخلف العربي بـ " التخلف الخالص المحض " الذي يكاد أن يكون بمثابة العلامة الفارقة التي تعاني منها الدولة والمجتمع العربيان .

هذا التخلف الخالص المحض يظهر عند النقيب و كأنه مصادرة لكل مشروع نهضوي .

فما يقلقه هو تلك الخاصية الذاتية للتخلف العربي والتي تتمثل بكونه " ظاهرة متصلة " وهذا ما يفزع في بداية الألفية الجديدة ، بحيث نظهر وكأننا ـ أي العرب ـ نسير في الاتجاه المعاكس، أي من النهضة إلى الردة .


     لا نهضة بدون عقل ناهض ، هذا ما يقودنا إليه الجابري والأنصاري والنقيب .

 من هنا نستطيع أن نفسر هذا الهجوم على القيم التقليدية التي تشكل متناً في ثقافة التخلف كما يرى النقيب ، ونفسر اعتماده في توصيفه لثقافة المجتمع العربي بأنها ثقافة مجتمع ميت ، وثناؤه على جهود التنويريين العرب المعاصرين الذين تحدوا التقليد العربي في عقر داره .


      بالرغم من ثناء النقيب على المثقفين العرب التنويريين إلا أنه لا يبدو متفائلاً ولا مؤمناً بدورهم . فهو يقر بأن " المثقف العربي مثقف قبلي " يمارس قبليته الفكرية في كل مكان ، وأن العرب فقدوا حيويتهم الثقافية وهذا ما يعبر عنه في تساؤلين اثنين : هل فقد العرب حيويتهم الثقافية ؟ وهل يستطيع العرب التفكير ؟.


      يلحظ القارئ أن التساؤل الثاني هو بمثابة مصادرة على التساؤل الأول ، وأنه ـ أي الثاني ـ يغرف من ايديولوجيا الإحباط التي أصابت عند النقيب مقتلاً في توصيفه للتخلف الخالص المحض .


     لا يترك لنا النقيب ملجأً آمناً نلجأ إليه ، فالمثقفون قبليون ، وثقافة التخلف تقودنا وتدفعنا إلى ثقافة الذل ، وعصر العولمة يتوعدنا كما يرى بمزيد من الانسحاق والعبودية الجديدة .فإلى أين المفر ؟ إلى شعارات المجتمع المدني التي يرفعها عدد كبير من المثقفين العرب ، فهذه من وجهة نظره ليست إلا وهماً إذ لا وجود لمجتمع مدني من وجهة نظره ، بل مجتمع أهلي تخترقه ثقافة الذل والتخلف .


     وفي رأيي أن النقيب لا يأتي بالجديد في توصيفه لثقافة المجتمع العربي بأنها ثقافة تخلف وانها ثقافة مجتمع ميت ، فهذه التوصيفات على وجاهتها في العقود المنصرمة من القرن المنصرم لم تساعد على انتشالنا من وهدة التخلف ، ومن ايديولوجيا الإحباط التي باتت قاسماً مشتركاً للكثير من الكتابات النخبوية ، وفي رأيي أن التساؤل الذي يطرح نفسه هو : هل ما زال يكفي اهتداؤنا إلى تخلفنا ليكون بمثابة طوق نجاة لنا ؟.


    إن ما يقلق بحق هو طغيان مبدأ الشتيمة على الكتابات التي تقوم بتوصيف حالة المجتمع العربي ، وهذا يظل شاهداً على استقالة العقل وغياب الإرادة وغياب الحفريات الدقيقة في قيمنا وتراثنا التقليدي والتي من شأنها أن تكشف عن جذور عطالتنا التاريخية ، أضف إلى ذلك أن النقيب يجعل من القيم التقليدية جرثومة تخلف أبدي تحول دون ولوجنا سقف التاريخ أو العبور إلى ممره الجبلي الضيق بحسب توصيف فوكوياما لممرات سقف التاريخ .


    نعم ، إن وعي التخلف هو شرط لتجاوز التخلف كما يرى الأنصاري في " مساءلة الهزيمة ، 2001" وبالتالي الانفتاح على آفاق الحداثة ، ولكن النقيب يجعل من التخلف العربي الخالص والمحض جداراً وسوراً تتحطم عليه كل إرادة وبذلك يدفعنا باستمرار إلى عنق الزجاجة دون أن نتمكن من الخروج منها ؟.


كاتب سوري

التعليق