الأمن والتعاون الخليجي بين الآليات الإقليمية والهيمنة الدولية

تم نشره في السبت 19 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

      تعيش منطقة الخليج بضفتيها العربية والإيرانية حالة من التوتر والقلق الأمني المؤثرعلى علاقاتها الداخلية والخارجية، وتزداد حالة التوتر في الإقليم مع حركة الانغماس السياسي للولايات المتحدة وبخاصة عقب احتلال العراق بحيث اصبح الوجود الاميركي مصدرا من مصادر التوتر بدلا من أن يكون مصدرا من مصادر الامن والاستقرار .

     هذه المنطقة تشهد في الاونة الاخيرة تحديات امنية مضاعفة وتكاد هذه التحديات أن تعصف بالامن والاستقرار والثقة والتعاون المتبادل بين الدول المشكلة للأقليم والسبب أن الطرف الاميركي لم يتوان دوما من زرع بذور الشك بين هذه الدول مجتمعة وإثارة الهواجس الامنية وعلى درجات مختلفة؛ ففي السبعينيات من القرن الماضي كانت الادارات الاميركية تفرض على دول الخليج سلسلة من الاتفاقيات المخلة بعوامل السيادة مقابل حمايتها من نفوذ الشاه وحدث ذلك ايضا عندما أثيرت توجسات أمنية من الثورة الايرانية حيث عملت الادارات الاميركية ما بوسعها لإنهاك ايران من الناحية العسكرية والاقتصادية وايجاد العوائق امام الثورة الاسلامية فاستغل الحماس القومي لدى العراق ودفع دفعا نحو المواجهة مع ايران حيث اعترف الرئيس العراقي السابق بأن الحرب الايرانية العراقية كانت حرب الكبار عبر الصغار .

      هذا المشهد يتكرر بعد احتلال العراق لدولة الكويت والتي اسهمت عمليا في تعزيز الوجود العسكري الاميركي في الخليج وعبر سياسة القواعد العسكرية والتعاون العسكري الاستراتيجي، وعمليا سخر نفط الخليج لغاية إدامة حركة الوجود الاميركي والسياسات الاميركية في المنطقة ففرض على الخليج دفع كامل تكاليف الحرب على العراق في العام 1990 وبالتالي ضعفت عوامل التنمية الاقتصادية وتأثرت الحياة الاجتماعية السياسية في هذا الوقت بالذات بشكل سلبي حيث نما التطرف والعنف السياسي فأخذت بعض القوى من الدين ملاذا للمقاومة والرفض للوجود الأجنبي في الخليج عموما. وبالتالي أسهمت الادارة الاميركية والمخابرات الاميركية عموما في خلق البنية والبيئة التحتية للتطرف والارهاب والاصولية .

      ونتيجة لغياب آليات فض النزاع الاقليمي شهدت المنطقة اكثر من مغامرة طائشة أدخلت المنطقة أبواب الفوضى الامنية والسياسية وأنعشت تيار الراديكالية الاسلامية والقومية الذي اعتبرته الادارة الاميركية جزءا لا يتجزأ من منظومة التطرف والارهاب ومحور الشر، وهذه الفوضى ازدادت معالمها مع وجود مخطط استراتيجي أميركي يهدف الى ايجاد كافة المبررات للتدخل في المنطقة ومصادرة مقدراتها ونهب ثرواتها تحت حجج واهية.       

      مصادر التهديد الخارجي
تمثل أميركا اكبر مصادر التهديد الخارجي للأمن والاستقرار والتعاون في الخليج حيث لجأت الادارة الاميركية لمحاربة النظم السياسية التي وصفتها  بالراديكالية وبخاصة النظام في العراق وإيران وسورية وكوريا الشمالية والسودان كون هذه النظم لم تسع للدوران في الفلك الرأسمالي الاميركي، لذا عمدت السياسة الاميركية دائما الى :

-اتهام الدول الاسلامية بمساعدة الارهاب والاتصال مع القاعدة فأصبحت هذه الدول بالمفهوم الاميركي دولا مارقة ودول محور الشر.

-استخدام كافة الوسائل لخنق هذه الدول في إيران قانون دماتو وحصار العراق لمدة 13 عاما وإصدار قانون معاقبة سورية وفرض حصار على السودان في بعض المجالات.

-وتطور الامر ايضا الى الدعوة الاميركية للتخلص من أسلحة الدمار الشامل في المنطقة باستثناء إسرائيل وتم احتلال العراق لتحقيق هذه الغاية في الوقت الذي تحدثت فيه الادارة الاميركية عن الرغبة في الإطاحة بنظام حكم الرئيس العراقي السابق، وايضا تطور الامر لاتهام إيران بالعمل على بناء منشآت نووية للأغراض العسكرية وهو ما تنفيه طهران مرارا وتكرارا .

-إن الوجود العسكري الاميركي المباشر في الخليج دفع الادارة الاميركية لتبني خطط اصلاحية في المنطقة عبر مشروع الشرق الأوسط الكبير والذي يهدف الى التدخل في رسم المعادلة الامنية والسياسية، وأصبحت عملية توزيع الاتهامات جاهزة وبما يتناسب وحركة المصالح الاميركية .

-التدخل الاميركي في توجيه العلاقات السياسية في المنطقة من خلال الضغط على القرار السياسي لدول الخليج وإدخالها في فوضى السياسة الاميركية في المنطقة وانعكاساتها واثارها، حيث بدأت العلاقات في هذه الفترة اكثر تناقضا وتصادما وتقاطعا وبالتالي تقاطعت السياسات الخليجية مع العراق عقب احتلاله دولة الكويت، في الوقت الذي التقت فيه هذه الدول مع العراق في حربه ضد إيران، مثلما التقت هذه الدول مع إيران في بدايات الثورة الاسلامية، وتحولت بالضد منها في نهاية المطاف .

-هناك رؤية استراتيجية أميركية تهدف ومنذ زمن طويل الى تكريس التناقض والتباعد الأمني والسياسي والثقافي والاقتصادي بين العرب وإيران فقد أثيرت مخاوف المسلمين السنة من إخوانهم المسلمين الشيعة وحاولت الادارات الاميركية رعاية مثل هذا التناقض واللعب عليه وإثارة الهواجس الامنية لدول الخليج بأن إيران تطمح الى امتلاك أسلحة الدمار الشامل لتهديد الخليج وجعله ضمن مجالها الحيوي، في الوقت الذي لم يسمح لهذه الدول بإقامة علاقات التعاون الثنائي الاقتصادي والسياسي والأمني وتشكل منظومة امن مشتركة للإقليم .

-أسهمت الولايات المتحدة عمليا بخلق الفوضى والتوتر والتناقض في المنطقة مما انعكس سلبا على الامن والتعاون الاقليمي وزاد الطين بلة عندما شعرت الادارة الاميركية بعمق المأزق الأمني في العراق عقب احتلاله؛ فهي تواجه بعمليات مقاومة يومية وبحالة من الفزع والدمار أنهكت الجيش الاميركي ووضعت السياسة الاميركية امام امتحان كبير جدا؛ ما دعا الادارة الاميركية لتوزيع التهم على دول الجوار العراقي وتحديدا إيران وسورية واتهامهما بأنهما يدعمان الارهاب في العراق وانهما يسهمان في خلق الفوضى في العراق.

التعليق