د.باسم الطويسي

نحو المرجعية الديمقراطية في موضوع النقابات

تم نشره في الجمعة 18 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

   يدخل الخلاف بين النقابات المهنيـة والحكومـة مرحلـة قريبـة من الحسم بإحالة القانون موضـوع الخلاف إلى مجلس النواب الذي نزع عنه صفـة الاستعجال، وهي فرصة تاريخية للمجلس الكريم لإعادة ثقـة الشارع الأردني به ولعل الطريقة التي سيعالج بها المجلس هذه الأزمة ستترك آثارها الكبيرة على واقع الحياة النيابيـة في الأردن، وعلى نظـرة المجتمع الأردني ونخبـه للأداء النيابي الذي تعرض لانتكاسات متتاليـة خلال الدورات الماضيـة.


       من خلال مراجعـة سريعـة للأزمات التي دخلتها الحكومات الأردنيـة على مدى أكثر من عقد ونصف مع أطراف داخل المجتمع السياسي الأردني في مقدمتها النقابات المهنيـة عبر مسيرة التحـول والتعثـر الديمقراطي، كان ثمـة حسابات تدخل في خانة الألعاب الصغيرة ضمن نظريـة اللعبـة السياسيـة اذا انطبق الوصف على هذه الحالـة، وهي حسابات مارستها المعارضـة السياسيـة التي تمثلها النقابات في غياب تبلور ناضج لمؤسسات سياسيـة أخرى، كما تمارسها الحكومات باختلاف برامجها والقيم التي تحرك رموزها، قواعد اللعبـة التقليديـة بما فيها من أجندات سياسيـة وارتباطات خارجيـة ونزق سياسي جميعها مفردات تحرك اللعبـة السياسيـة المحلية وجميعها تتضاءل امام المصالح الوطنية بمفهومها الموضـوعي. أي ان الدارس لتطور الأزمات بين الحكومـة والنقابات يستنتج ببساطـة، اننا لم نخرج من هده الأزمات بفوائد حقيقـة في تطوير الأداء السياسي لكل من المجتمع المدني من جهـة والحكومـة من جهـة أخرى، في كل مرة تصر الحكومات على مواقف متعنته وتظهـر ولسان حالها يقول إنها تحتكـر الحقيقـة وحدها وتجدف خارج الزمن السياسي السائد، وتظهر النقابات والمجتمع السياسي الذي يقف خلفها وأمامها دون قضيـة وطنيـة حقيقيـة سوى الشعارات واستثمار حالـة الاغتراب السياسي العامـة التي تجتاح المنطقـة بأكملها.


     اللعبة السياسية في الديمقراطيات تتطلب استراتيجية واضحة من كل طرف وفهم مشترك لقواعد اللعبة وهذا ما نفتقده، وتتطلب نفس المدلول لقيم الكسب والخسارة وهذا ما نفتقده أيضاً حينما تتحول المعارضة والممانعة الى مجرد رغبة في الاصطدام والنيل من الآخرين، وبالقراءة الأولية نصل الى ضرورة ملحة تستدعي الخروج من قواعد اللعبة التقليدية الممتدة عبر مواسم الشد وانغلاق الأفق مما يستدعي البحث عن قيم الجديدة تخدم الحياة السياسية الأردنية بدلاً من قيادتها نحو التصدع والفوضى.


     إن النقابات المهنية مؤسسات مجتمع مدني وطنية تضم اليوم حوالي (130) ألف منتسب يشكلون الركن الأهم في قوى الإنتاج والتغيير ويمثلون بأسرهم حوالـي (15?) من المجتمع الأردني، وبدون شك لهم حق المشاركة السياسية، والقول بحصر هذه القوى المجتمعية في بيوت الخبرة وإغلاق أبواب هذه البيوت عن أزمات الوطن وهمومه فيه نوع من الانتقاص من قيم المواطنة وفيه فهم مسطح للمشاركة السياسية، لكن دور النقابات باعتباره قوة مجتمعية كبيرة لا يتوقف عند المشاركة السياسية فقط، ان الأسئلة الغائبة في رحى هذا الصراع تتعلق بالمفهوم الأوسع للمشاركة بأبعادها المجتمعية والتنموية والاجتماعية والثقافية والتي طالما غابت عن برامج عمل النقابات المشحونة دوماً بالمواقف الأيديولوجية والحروب الباردة والساخنة مع الحكومات، فالقوة المالية الضخمة للنقابات لم توظف في خدمة التنمية الوطنية بشكل مناسب يعود على المجتمع الأردني بشكل عام وعلى النقابات بشكل خاص ويمنح النقابيين أوراقا رابحة في العمل السياسي والاجتماعي والثقافي لم تقم النقابات بإنشاء جامعة تقنية ضخمة أو مستشفيات عملاقة متخصصة أو مؤسسـة ثقافيـة كبيرة أو تستثمر في مشاريع استراتيجية وطنية فموجودات صندوق تقاعد نقابة المهندسين وحده يوفر قرابة مئة مليون دينار، لقد فوتت النقابات على نفسها فرص النمو التاريخي الصحي في الإسهام المؤثر القوي في الحياة العامة، حينما أصبحت المشاركة السياسية الناقصة عبئا عليها اكثر من كونها حقا لها.


     وبدخول مجلس النواب على الخط مع النقابات هذه المرة في صيغة القانون المطروح والذي يهدف إلى تفريغ المضمون المتواضع للمشاركة السياسية للنقابات، يجدر النظر من زاوية القراءة الثانية للمصالح الوطنية بأن لا تحصر بحضور الإسلاميين أو خروجهم وبالتلويح بقوائم المطبعين وغيرها، ان الفرصة أمام مجلس النواب للإسهام بشكل إيجابي في الحياة السياسية برد هذا القانون والتشريع للتمثيل النسبي ومأسسة أدوات رقابية فاعلة على مالية النقابات.


     إننا أمام فرصـة هامـة ومتاحـة لمجلس النواب والحكومـة والمجتمع السياسي الأردني لإنجاز واحدة من المهام الأساسية في حركـة الإصلاح والتنميـة السياسيـة، وهي لا تعني فقط التخلص من شبح صيغـة الصوت الواحد ولا مجرد احتواء قوى سياسيـة وإعادة هضمها، بل أهم ما تعني توفير المنهج لإدارة أزمات التنميـة السياسيـة وفرض هيبـة واحترام المرجعيـة الديمقراطيـة في فض تنازع المصالح داخل المجتمع السياسي الواحد.
    Basimtwissi@hotmail.com

التعليق