النقابات المهنية والحكومة - دعوة للحكمة والهدوء

تم نشره في الجمعة 11 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

 
   مما لا شك فيه أن السجال الحالي بين النقابات المهنية والحكومة يثير قلقي بصفتي مهندس عضو في النقابة. بداية وفي سياق طرح وجهة نظري في هذا الموضوع سأبدأ بتوضيح انه على الرغم من كوني مشتركا في نقابة المهندسين منذ عام 1992، إلا أنني لم اعتد ان أشارك في نشاطات النقابة. فبشكل عام، لم تكن أنشطة النقابة تثير اهتمامي يوما رغم إلمامي بالدور السياسي الذي تلعبه النقابة. وبينما كنت أؤيد هذا الدور في بعض الأحيان، إلا أنني في أحيان أخرى كنت أختلف مع المواقف التي تتخذها النقابة والوسائل التي تستخدمها لإيصال وجهة نظرها. وبسبب ارتباطي بمهنة ثابتة ومتطلبة فقد حصرت اهتمامي بمتابعة أنشطة النقابة عن بعد مكتفيا بالاستفادة من التسهيلات والخدمات المالية التي تقدمها النقابة مثل نظام التقاعد والتأمين الصحي والقروض وغيره.


      لقد اعتدنا تاريخيا على توازن حذر بين النقابات المهنية والحكومة حيث يتم تصعيد بعض القضايا من حين لآخر ومن ثم يتم احتواؤها من اجل مصلحة الوطن. الا ان الامور في هذه المرة تختلف حيث تجاوزت المواجهة بين الحكومة والنقابات المهنية معايير الاحتواء التقليدي. ومع إقدام الحكومة على سن تشريعات في هذا الصدد فقد بات واضحا ان المواجهة قد وصلت الى نقطة اللاعودة.

 من المؤسف ان التطور والتصعيد يأتي بدون أي مبرر حقيقي وملح مع إدراكي التام للخطاب الحكومي. لماذا يتم هذا التصعيد في هذا التوقيت؟ هل وجود لافتة تدعو إلى مقاطعة التطبيع معلقة على مبنى مجمع النقابات يعتبر سببا كافبا لإفساد التوازن التاريخي والحساس بين الجهتين؟ ألا يدل هذا التصعيد على استهتار كلا الطرفين بمكاسب وإنجازات النقابات المهنية؟ لا يسعني إلا أن أطرح التساؤلات التالية على الحكومة والنقابات المهنية وأبدأ بالحكومة:


1- إذا قامت النقابات المهنية برفع لافتات ترحب بعودة السفير الأردني إلى إسرائيل؟ هل كانت الحكومة ستتدخل لإزالة هذه اللافتات؟ لماذا تقوم الحكومة بإسكات كل صوت ينادي بوقف التطبيع مع العلم أن عددا كبيرا من الأردنيين يعارضون التطبيع ويمقتون دور الصهيونية التاريخي والمستمر في الجرائم التي ترتكب ضد الشعب الفلسطيني، وفي تدمير العراق، والضغط العالمي على سورية؟ هل المسألة هي حقا مسألة مبدأ بالنسبة لقيام النقابات المهنية بتعاطي الشأن السياسي؟


2- ما علاقة آلية الصوت الواحد في توضيح دور ووظيفة النقابات المهنية؟ ألا يشكل مثل هذا الاقتراح خلطا غوغائيا متعمدا؟ أليس من الأفضل عقد حوارات للوصول إلى اتفاق ومن ثم سن تشريع لهذا الموضوع خاصة وأن النقابات المهنية هي مؤسسات غير حكومية؟ إلا إذا افترضنا ضمنيا بأن الحكومة تسعى من خلال مبدأ الصوت الواحد إلى تشكيل جسد غير فعال كما حدث في البرلمان (مع الاحترام لبعض الأعضاء الأكفاء في البرلمان)؟ كيف سيخدم هذا الإجراء تقدم المهنة وحسن ممارستها؟ هل تستطيع الحكومة أن تفرض نفسها بمثل هذه الطريقة على شركات القطاع الخاص؟


3-  في خضم حملتها الشرسة ضد النقابات، ألا تدرك الحكومة انها تنتقص من الدور الهام الذي تلعبه النقابات المهنية في تحسين المستوى المعيشي والمهني لأعضائها من خلال تقديم خدمات لم تتمكن الحكومة نفسها من تقديمها؟ أليست هذه المساهمة الكبيرة في المجتمع سببا كافيا للحكومة لإظهار تقديرها للنقابات المهنية والدخول معها في حوار جاد يخدم الوطن.


أما عن النقابات المهنية، فإنني أتساءل:


1- هل تستطيع النقابات القول إنها قد وفت بجميع مهامها الاساسية قبل المطالبة بتحرير فلسطين والعراق وحل القضايا الأخرى انطلاقا من الاردن؟ ألا يدرك القائمون على ادارة النقابات بأن كثيرا من المهنيين يرونها كمؤسسات غير منظمة تدار من قبل أفراد غير مؤهلين؟ ألا تدرك النقابات أن هناك الكثير من العمل المطلوب على الساحة الأردنية الداخلية في مختلف المجالات. على سبيل المثال محاسبة الأطباء في حالات الأخطاء الطبية، تطوير قانون العمل والعمال وتطبيقه في حالات الاستغلال، وفي مجالات أخرى كالبيئة والبحث العلمي؟


2- ألا تعي النقابات المهنية أهمية تبني أسلوب أكثر حداثة وجاذبية لأعضائها لتنفيذ دورها في المجتمع ويشمل ذلك استخدام شركات تسويق على مستوى عال لإيصال وتوثيق دور النقابات إلى أكبر شريحة ممكنة من المجتمع ؟ أليس هذا ضروريا سيما وان بعض تجارب الدول تشير إلى أن الحكومات قد تلجأ لجعل عضوية النقابات أمرا اختياريا؟


3- هل فشلت النقابات المهنية في فهم دروس النظام العالمي الجديد حيث لا تزال تصر على العمل خارج الإطار مما يجعلها تبدو كجسم من الاشخاص الايديولوجيين ضيقي الافق والمنسلخين عن الواقع؟ هل رفع لافتات معارضة للتطبيع هي تلك الفكرة الرائعة التى تستحق خلق مواجهة بين الحكومة والنقابات؟

هل حقا ستنتهي المعركة ضد التطبيع اذا لم تتبناها النقابات؟ أليست هناك طرق أكثر ذكاء وأدوات غير مغرقة في رمزية عديمة الجدوى مثل اليافطات لتوعية المواطن الأردني بخطر الصهيونية والمؤامرات التي تحاك ضد العالمين العربي والإسلامي؟


     ليس هناك من لا يدرك أن الأردن هو دولة ذات موارد محدودة تعتمد بشكل كبير على المساعدات الخارجية، والتي يأتي جزء كبير منها من الولايات المتحدة.

فالموضوع اذن لا يتعلق بدور النقابات المهنية ومسؤولياتها. بل هو يتعلق بالمعارضة للتطبيع مع إسرائيل و بعض الانشطة النقابية في هذا المجال والتي أزعجت الحكومة بشدة. وبرغم ان المواطن الأردني يتمتع بمستوى جيد من حرية الرأي إلا أن هنالك سقفا أعلى معروفا لدى الجميع.

هل فشلت النقابات المهنية في توقع مثل هذه النتيجة الحتمية لنشاطاتها؟

 أقول للحكومة: أرجو منكم التريث. فإن إجراءاتكم تتسبب في حنق شديد في الجسم المهني للبلاد. هذا الجسم من المهنيين هو الذي يشكل طبقات المجتمع المتوسطة والعليا. هؤلاء هم المساهمون الحقيقيون لنمو وثروة البلاد.

 لم ينته الوقت لبدء حوار بناء وللعمل بشكل منسق مع النقابات لبناء خطة عمل وطنية. النقابات المهنية تمتلك الكثير من الموارد. استعملوها ولا تستعدوها.

وللنقابات أقول: استيقظوا وحاولوا التعاطي مع الواقع الجديد. اعملوا مع الحكومة كمحفز للتغيير الإيجابي عن طريق تأهيل خبراء ودعم البحث العلمي ورفع العبء عن الحكومة في كثير من المجالات التي تضطر فيها إلى الاستعانة بخبرات أجنبية.

تواصلوا مع الوزراء التكنوقرط تحديدا وقدموا لهم الدعم بكل الوسائل الممكنة. بصفتي مهندسا مهنيا محترفا، فإنني أشعر بالخذلان من الحكومة والنقابات معا. لا احد يستطيع احتكار حقيقة ما هو جيد لهذا الوطن وما هو سيئ.

 إنني أعارض وبشدة استمرار هذا النهج العدائي بين النقابات و الحكومة وأرى أنها مضيعة لثروات البلد وموارده. أليس من المفترض أن تكون العلاقة هي علاقة تكامل وبناء؟ إنني أطلق نداء للحوار يتسم بالهدوء والحكمة لما فيه مصلحة البلاد.

التعليق