ماذا يُرتجى من قمّـة الأنظمة العربية ؟

تم نشره في الأربعاء 9 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

 
    تنعقد قمة الأنظمة العربية السنوية هذا العام ، وأجواء الوطن العربي ملبّـدة بهموم وإشكالات وقضايا حديثة – قديمة ، لم تتمّ معالجتها بالصورة المطلوبة وفي الوقت المناسب كالعادة ، فتفاقمت واستفحلت ، وخرج حلـّها من اليد العربية ، وأصبح مرتهناً للقرارات والتهديدات والضغوطات التي تتخّذها وتمارسها " الشرعية الدولية " و" المجتمع الدولي ".


    وحال القمّـة القادمة لن يكون أفضل من حال سابقاتها، بل ربّـما يكون أكثر سوءاً، حيث شهد الوطن العربي خلال العام المنصرم تحوّلات مهمّـة على طريق تدويل قضاياه واستمرار محاولات تفكيكه وتمزيق أوصاله لمصلحة المشروع الأمريكي المسمّى "الشرق الأوسط الكبير". وقد تجلّت هذه التحوّلات في كلّ من فلسطين والعراق والسودان ولبنان تحديداً، إضافة إلى ما شهدته بقية أقطار الوطن العربي من تزايد حالة الشرذمة والتبعية والانكفاء القطري. إذ بات كل نظام مشغولاً بالدفاع عن مصالحه ومواقعه وترتيب أوضاعه المهزوزة أصلاً، وبالتكيّـف مع السياسات والمتطلبات الأمريكية ، وبخاصة في مجال تطبيق "الديموقراطية" الأمريكية، التي عنوانها اجراء انتخابات لا يهمّ إن كانت قائمة على أسس طائفية ،عشائرية، عرقيّـة، بل ينبغي ان تكون كذلك لتوصل أتباع الإدارة الأمريكية ومناصريها إلى المواقع القيادية الحسّاسة في السلطة وفي "مؤسسات المجتمع المدني" ، دون إغفال ضرورة وجود "معارضة " رشيدة للدلالة على تحقيق التنوع اللازم لمثل هكذا ديمقراطية! وربما ازدادت هرولة الأنظمة العربية نحو هذه الديمقراطية بعد اقرار مشروع القانون الذي تبناه الكونغرس والذي يحمل عنوان " تقدم الديمقراطية "، ويهدف " لإنهاء كل اشكال الحكومات الديكتاتورية او غير الديمقراطية " عن طريق تحويل سفارات الولايات المتحدة الى " قلاع للحرية !"، لإحكام عملية التدخل في جميع الشؤون العربية وغير العربية، كما حدث في ما أسمي بالثورة البرتقالية في اوكرانيا، وكما هو متوقع حدوثه في لبنان حالياً.


    لقد تزايدت الضغوطات الأمريكية على الأنظمة العربية كلّها، بهدف اخضاعها تماماً للمصالح الأمريكية الصهيونية من جهة، ولدفعها إلى محاربة القوى الوطنية والقومية العاملة من أجل حريّة الوطن العربي واستقلاله ووحدته من جهة ثانية.

وبرزت هذه الضغوطات والتهديدات بصورة أكبر بعد أن نجحت الإدارة الأمريكية – ولو نسبياً – بترميم العلاقات مع أوروبا، وإدخالها إلى بيت الطاعة الأمريكي ومتطلبات حلف الناتو...وبذلك سقطت مقولة كثير من المحلّلين الذين اعتقدوا بإمكانية حدوث تغييرات جوهرية في السياسة الأمريكية تجاه الوطن العربي بعد عودة بوش إلى سدة الرئاسة الأمريكية للمرة الثانية والأخيرة..ويكفي أن يستمع المرء إلى خطابات ومقابلات بوش ورايس وتشيني ورامسفيلد وغيرهم من رمـوز "المحافظين الجدد" في الادارة الامريكية، ليقتنع بأنهم سائرون نحو مزيد من التشدّد والإرهاب تجاه الوضع العربي برمّته، وليس نحو حلّ القضايا بالدبلوماسية والحوار كما اعتقد هؤلاء المحللون.


فعبارات " ينبغي أن " و " يجب أن " و " لا بدّ من " هي السائدة في الخطابات الاستعلائية الاستعدائية المذكورة ، عند الحديث عن الإصلاح ومحاربة " الإرهاب " ، والدفاع عن حقوق الانسان ، ناهيك عن الحديث عن " إنهاء التمرد " في العراق ، و" محاربة المنظمات الإرهابية" الفلسطينية واللبنانية ، ومطالبة سورية بسحب جيشها ومخابراتها فورا من لبنان ، ومحاربة " التطهير العرقي والمجازر" في دارفور ، إلى آخر هذه القائمة الاستفزازية التي تسمّي الأمور بغير أسمائها وأوصافها الحقيقية ، مما يزيد من شعور المواطن العربي بالمهانة القومية والدينية ، وبالكراهية والحقد على السياسات الأمريكية الخرقاء ، التي لم يثبت أنها نجحت في تطويع أية أمة من الأمم ، ولا في بناء الامبراطوريات واستمرارها .


    وبينما تمعن الإدارة الأمريكية في عدائها السافر والمعلن لكل ما هو مسلم وعربي، فانها تحاول جرّ أوروبا وراءها لتكون رديفاً ومؤيداً لسياساتها العدوانية هذه ، حتى لا تبدو وحيدة في الميدان مع من تبقـّى من أتباعها من الدول والهيئات التي شاركتها الحرب على العراق ، في الوقت الذي تُغلـّب فيه سياسة الدبلوماسية والحوار وطول النفس مع كل من ايران وكوريا الشمالية اللتين وضعتهما سابقاً في خانة " محور الشر "، رغم استمرار ايران بالحديث عن حقها في تخصيب اليورانيوم، وإعلان كوريا الشمالية الصريح بامتلاكها للأسلحة النووية ، حتى أن الولايات المتحدة بدلاً من أن تتخذ من مثل هذا الإعلان ذريعة لضرب كوريا، راحت تشكّك بصحته، حرصاً على عدم الانجرار الى مواجهة معها!


    أما بالنسبة لإيران فان بوش يقترب اكثر فأكثر من تأييد موقف أوروبا في تقديم حوافز لايران بهدف اقناعها بالتخلي عن طموحاتها النووية، منها نية الولايات المتحدة عدم الاعتراض على انضمام ايران لعضوية منظمة التجارة العالمية، وعدم الوقوف في طريق الاوروبيين الذين يريدون بيع طهران قطع غيار لطائرات مدنية، وربما السماح لجمعيات امريكية غير حكومية بالعمل في ايران خلافا لقانون العقوبات الامريكي الذي يحظر ذلك ..  وهنا تتجلّى ازدواجية المعايير وغياب النزاهة بصورة لا مثيل لها عن السياسات الأمريكية وما يسمّى بـ " المجتمع الدولي " المهزلة.


    في هذا المناخ ، تنعقد قمة الأنظمة العربية، بمشاركة ممثلي الطرف الأمريكي – الصهيوني، حيث سيتم  تطويع المواقف وتقديم التنازلات المطلوبة، بدعوى حقن الدماء وتجنّب المواجهة غير المتكافئة، والمحافظة على ما بقي من أراض عربية غير محتلة احتلالاً مباشراً! سوف يدعمون جهود سلطة اوسلو الفلسطينية في كفّ يد المقاومة وذبحها، وسيكونون سعداء جداً بما أنجزته السلطة خلال الشهور القليلة الماضية، وبما أنجزه بلير في مؤتمر لندن الذي وعد بتمويل إعادة إعمار ما لحق بـ " البنية " الفلسطينية من دمار، وببناء القوى الأمنية القادرة على ضرب المقاومة وقمع الشعب الفلسطيني، نيابة عن العدو الصهيوني، الرابح الأكبر من مؤتمر لندن رغم عدم مشاركته في أعماله أصلاً. 


    وسوف تتبرأ القمة من سورية كما تبرأت من العراق من قبل، إن هي حاولت مقاومة تنفيذ القرار 1559 المنسجم في رأي هذه الأنظمة مع اتفاق الطائف ، وسوف تناشد المعارضة اللبنانية كي تتصرف بحكمة وهي تستولي على السلطة بتحريض ودعم واضحين من الإدارة الأمريكية، لتكفّ يد حزب الله، ولتحمي أمن الكيان الصهيوني، ولتفتح الطريق أمامه لملء الفراغ الذي سيحدثه انسحاب الجيش السوري، وللسيطرة على المواقع الاستراتيجية اللبنانية المطلّة على دمشق.


    كما سيعمل هؤلاء " العقلاء " على تجنب استفزاز الاحتلال الامريكي في العراق، بعدم المطالبة بجلائه أو تحديد جدول زمني لذلك، وهم يرددون عبارات التأييد لسلطته الموالية للاحتلال والممثلة في القمة، ولوحدة العراق الذي بات واضحاً انه سائر في طريق التمزق والانقسام.


   ولن ينسى البيان الختامي للقمة – إن لم ينفرط عقدها – دعوة النظام السوداني لوقف ما يحدث في إقليم دارفور، وايجاد حلّ لمشكلته على غرار الحلّ التقسيمي للسلطة والثروة الذي فصل جنوب السودان عن شماله بتدخل دولي سافر ، دون أن يكون لميثاق جامعة الدول العربية أو اتفاقية الدفاع المشترك الميتة أي اعتبار في ذلك.. أما إصلاح الجامعة العربية فأمر مؤجل لما بعد القمة!


كاتب أردني

التعليق