ذاتية مفرطة في الصحافة والإعلام

تم نشره في الثلاثاء 8 آذار / مارس 2005. 02:00 صباحاً

 
    إلى أي حد يمكن أن يكتب الصحفي عن نفسه وتجربته الشخصية؟ لا تخلو الكتابة من التجربة الذاتية، وربما يحب القراء هذا اللون من الكتابة، فالسير الذاتية والتجارب والرحلات من أكثر مجالات الكتابة انتشاراً، ولكنه اختيار مليء بالأخطار والأخطاء، فالقارئ وإن كان يحب السير والتجارب فإنه يكره عشق الذات، وإظهار الكاتب نفسه بأنه عليم ببواطن الأمور، ويؤدي دوراً كبيراً، والإحاطة بكل شيء، والواقع أن الكتابة الصحفية والعمل الإعلامي مليء بنماذج النرجسية والإغراق في الذات، حتى يكاد المرء يعتقد أن الإعلاميين مخلوقات لا ترى في الدنيا وكل ما حولها سوى نفسها وكأن الكون ليس إلا مرآة, وبالطبع فإن النجومية التي يتيحها الإعلام للعاملين فيه تصيب الكثير من العاملين فيه بالهوس وجنون العظمة، وحتى السياسيين الذين لا تنقصهم الشهرة ولا النفوذ يستدرجهم الإعلام ويرون في أضوائه متعة ومجداً يفوق الزعامة والجاه والمال.


   وقلت مازحاً لأحد الزملاء الذين تقدموا في الإعلام والشهرة: تبدو متجها نحو جنون العظمة، فقال لي: وكيف لا يصيبني جنون العظمة وحتى جنون البقر وأنا يتقرب مني جميع الناس وحتى الوزراء والنواب.


    وقد انتشر الإعلام في حياة الناس وازداد تفاعلهم معه بتقدم الاتصالات، فهو إعلام متفاعل حي، ولم يعد الكاتب يقيم في برج معزول، بل إن الإنترنت والمحطات التلفزيونية الجديدة تتجه إلى إعلام جديد يساهم الجمهور في صياغته، ويكاد يتكافأ فيه القارئ والكاتب أو المشاهد والمذيع، ولم يعد مكان لإعلامي يحتقر الناس أو يدعي المعرفة والعلم أكثر من الجمهور، أو يشغلهم بمغامراته وبطولاته.


    ولكن الحرية التي يمتلكها الكاتب في المساحة المتاحة له تجعل له ميزة نسبية يراها البعض مملكة خاصة، ويعتقد أنه يحسن إلى الناس بتعليمهم وبما يفيضه عليهم من عبقريته وإلهاماته، وربما يلتبس الأمر عليهم ولا يلاحظون مصيبتهم، فيجنون على أنفسهم أولاً، ولا يضرون غيرهم فليس أسهل على القارئ أو المشاهد من التحول عنهم وتركهم يهدرون إلى أن يكتشفوا أنهم وحدهم، أو يكتشف من يدفع لهم أنه يخسر ماله وجمهوره.


    وتؤدي العجلة في العمل الإعلامي وبخاصة في الصحافة اليومية إلى مرور كثير من الكتابات والأعمال دون مراجعة أو تحرير، فيظن الكاتب أنه أستاذ في الكتابة والنحو واللغة والسياسة والشريعة الإسلامية، فإذا تعرض عمله لمراجعة أو تحرير فإنه يغضب ويطلب ألا يمس أحد ما يكتبه، ويرى ذلك اعتداء على الفكر والمفكرين، وتدخلاً من الصحافة في حرية الكتابة.


    وفي بلد عربي عملت فيه شاهدت زميلا لا يتجاوز الخامسة والعشرين من عمره جاءت به إلى الصحافة معرفته باللغة الإنجليزية فبدأ مترجماً ثم عمل في الكتابة والصحافة يرفض أن ينظر أحد في عمله أو أن يمر في المراحل التقليدية من الإنتاج الصحفي (التحرير والتصحيح والمراجعة) وقال لرئيس التحرير إنه لا يتحمل أن يتدخل أحد في عمله، فأخرج له رئيس التحرير البالغ من العمر ستين سنة مقالاته وأراه ملاحظات المحررين والمصححين باللون الأحمر والأخضر، ولتكملة القصة فإن رئيس التحرير هذا لم يحتمل القائمون على الصحيفة سعة احتماله للآراء والتماسه المواقف المختلفة، وترك الصحافة، وأما زميلنا الغشيم فهو اليوم أحد نجوم الصحافة والفضائيات.


    وكتب زميل جاءت به المصادفة إلى العمل الإعلامي من عمل هو أبعد ما يكون عن الإعلام عن حرب الخليج الثانية سلسلة من المقالات تتحدث عن الفندق الذي كان يقيم فيه في الكويت ومشاهداته للحرب التي لا تتعدى سماع أصوات القذائف وسؤاله لموظف الاستعلامات ولا ينسى أن يعرج على تجاربه وكتبه ووظائفه التي اشتغل بها وكيف أنه اشترط على الكويتيين شروطا لا تقبل حتى من محمد حسنين هيكل ولكنهم وافقوا مسرورين لأجل تطوير الإعلام الكويتي (الصحافة الكويتية كانت قبل عام 1990 أكثر الصحف العربية تقدما مهنياً وفنياً، والكويتيون ربما يكونون أكثر العرب والخليجيين اعتدادا بأنفسهم) ولا تظهر عاصفة الصحراء بعد قراءة أكثر من اثنتي عشرة ألف كلمة (قرأتها فقط لأتأكد أنه يعتقد أن الكرة الأرضية تدور حوله) سوى ملاحظات ومشاهدات تمتعت بها الإنسانية بسبب مصادفة وجود زميلنا "صديق الإله" في الكويت والذي لم يكن حتى تلك اللحظة له صلة بالصحافة.


    ورأيت شابا عمل في الصحافة بعد ثماني سنوات من عملة سكرتيراً في مدرسة ابتدائية في جبال اليمن وبعد ستة أشهر من عمله في الصحيفة تقدم بطلب لرئيس التحرير أن يعمل محرراً متخصصاً بالصراع العربي الإسرائيلي، وكانت إجابته على سؤال عن قراءاته في الموضوع بأنه حضر مناقشة لرسالة دكتوراه عندما كان طالباً في الجامعة.


    وفي زحمة الانسحاب السوري من لبنان، واغتيال الحريري، وتحولات المشهد الفلسطيني والعراقي، والمهرجانات الثقافية والفنية، والمؤتمرات الدولية والإقليمية التي تشغل العالم هذه الأيام يؤكد لنا زميل في إحدى الصحف اليومية تحت عنوان "تداعيات حول مقال ..." أن العالم يشهد عاصفة من التفاعل حول مقاله الذي كان عن شيء من قبيل لا يمكن لقارئ أن يتذكره إن كان بالقعل قد حفل به.


    ويصعب متابعة الظاهرة التي تؤكد ضرورة التدخل العلاجي، والتأهيل النفسي والصحي، وأقول هذا الملاحظة الأخيرة باعتباري اختصاصيا اجتماعيا ومجازا في العمل الاجتماعي من الجامعة الأردنية.


    لقد استمتعنا كثيرا بتجارب الكتاب ومشاهداتهم، ولكن أحداً لم يذكر أن مصطفى أمين، أو جهاد الخازن، أو فهمي هويدي يبالغ في إظهار أهميته وسعة اطلاعه، وحتى محمد حسنين هيكل الذي يتوسع في وصف تجربته ومشاهداته في الكتابة عن الأحداث والشخصيات فإنه لم يعط نفسه أكثر مما تستحق، ولا مدح نفسه أو ادعى ما ليس له بحق، ويبقى الجمهور هو الحكم، والقارئ الجيد يصنع الكاتب الجيد.

التعليق