2962 مليون دينار العجز التجاري لعام 2004

تم نشره في الأربعاء 2 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً

 
    في ضوء معطيات تجارة الاردن الخارجية ، كنت قد توقعت قبل عدة أشهر وكتبت عن المأزق الشديد الذي تمر به، وتوقعت في ذاك الموضوع أن يتجاوز العجز في الميزان التجاري الأردني بنهاية عام 2004 (2600) مليون دينار وهو رقم غير مسبوق في تاريخ المملكة ، وقد أظهرت البيانات الرسمية الصادرة عن دائرة الإحصاءات العامة أن العجز الفعلي في الميزان التجاري قد بلغ  2962 مليون دينار، وهو أسوأ مما توقعت . 


    فحسب البيانات الرسمية إرتفعت الصادرات الاردنية من 1675 مليون دينار في عام 2003 إلى 2334 مليون دينار في عام 2004 أي بنسبة نمو 39.3% أما السلع المعاد تصديرها فقد انخفضت من 509.8 مليون دينار في عام 2003 إلى 466.2 مليون دينار في عام 2004 وبذلك تكون نسبة نمو الصادرات الإجمالية ( وطنية ومعاد تصديرها ) قد إرتفعت خلال فترة المقارنة بنسبة 28.2%، أما المستوردات فقد ارتفعت من 4072 مليون دينار في عام 2003 إلى 5762.9 مليون دينار في عام 2004 أي بنسبة 41.5% ، حيث تسارعت أكثر مما تحقق بجانب الصادرات.


    وإستنادا إلى ذلك ارتفع العجز في الميزان التجاري من 1887.1 مليون دينار في عام 2003 إلى 2962.6 مليون دينار في عام 2004 ، أي بنسبة نمو 57%، ولم يسبق للأردن أن حقق مثل هذه النسبة أو أعلى منها إلا في عام 1990 على أثر الأزمة الاقتصادية الخانقة التي تعرض اليها في عام 1989 حينما ارتفع هذا العجز من 585.3 مليون دينار في عام 1989 إلى 1008.6 مليون دينار في عام 1990 ، أي بزيادة نسبتها 72% . 


    ومع أن البعض في الأردن يعتبر العجز التجاري ظاهرة اقتصادية عادية وسليمة وليست خطيرة ويصب في رفاه الشعب الأردني كما يخدم تطور الإستثمار عبر استيراد السلع الرأسمالية، ويمثل هذا الرأي "السديد!" اكتشافا علميا جديدا في الاردن يَجِبُّ ما سبقه من نظريات اقتصادية لآدم سميث وريكاردو وكينز ومالثيوس !!، وينطلق هذا الاكتشاف "الباهر!" من مبدأ تسويغ وتزيين الأخطاء والانحرافات الاقتصادية الفظيعة التي ترتكبها صناعة القرار الاقتصادي الأردني والتي من تبعاتها الضارة البطالة المرتفعة في أوساط قوة العمل الأردنية ومظاهر الفقر المدقع الذي يعيش في ظلاله الداكنة الجزء الأكبر من الشعب الأردني والانخفاض الحاد في مستوى الدخل وتآكله قياسا بما حققته الدول الأخرى التي تجاوز لديها متوسط دخل الفرد 40 الف دولار سنويا في حين يراوح هذا المتوسط في الاردن بحدود 1800 دولار سنويا ،ويعكس هذا الفرق الشاسع في الدخل فرقا مماثلا بين صناعة القرار الاقتصادي في تلك الدول عن مستواه في الأردن .


    فقبل أيام كنا قد قرأنا في الصحف وكما تناقلته وكالات الأنباء العالمية ، أن الميزان التجاري الفرنسي قد حقق في الشهر الماضي من هذا العام عجزا لمدة شهر ، كما يشير نفس الخبر أن فرنسا واجهت أيضا ظرفا مماثلا في عام 2001 ، ولظروف استنائية واجهت نفس المشكلة في عام 1996، أي ان فرنسا طيلة تاريخها الاقتصادي لم تتعرض لظاهرة العجز في الميزان التجاري إلا ثلاث مرات منها مرتان لمدة شهر واحد في كل منهما والثالثة لمدة سنة واحدة فقط ، والكل يدرك مدى قوة فرنسا الاقتصادية في الساحة العالمية، ومع ذلك يشار في فرنسا لهذه الحالات الاستثنائية النادرة من العجز على أنها علامات سلبية في أداء الاقتصاد الفرنسي يتحوط صانعو القرار الاقتصادي الفرنسي أن لا تتكرر هذه الحالات، حفاظا على نهضتهم وقوتهم الاقتصادية، مع العلم أن سبب قوة الاقتصاد في كل من فرنسا وبريطانيا والمانيا وإسبانيا وسويسرا والسويد والدنمارك وكوريا الجنوبية والصين وهونغ كونغ وتايوان وسنغافورة،ناتج بالدرجة الأساسية عما يحققه الميزان التجاري من فائض ، ويعود ذلك بالأصل لوجود قواعد إنتاجية عريضة وقوية وراسخة لدى كل منها راكمت وتراكم لديها المزيد من الثروات المالية الهائلة، والتي يعاد تدويرها من خلال الاستهلاك والادخار والطلب الكلي المرتفع في عجلة الاستثمار وبالتالي توليد مزيد من الرفاه والقوة في مختلف المجالات ، مع أن تلك الدول لديها مصادر أخرى لتوليد الثروات الطائلة من خلال ما تصدره من خدمات إلى جانب ما تصدره من سلع، بعكس ما يحدث لدينا في الأردن من عجز تجاري مزمن ومنتظم التكرار على مدار جميع السنوات ، مما أنهك الاقتصاد الاردني وأثقله بتبعاته السلبية الكثيرة.


    لقد استنزف العجز في الميزان التجاري الأردني خلال فترة وجيزة، وهي الممتدة فقط بين عام 2000 إلى عام 2004 مبلغ (15) مليار دولار ، خسر الاقتصاد الاردني تدوير هذا المبلغ الضخم في عجلته الاستثمارية بعكس ما يحدث في الدول الناجحة اقتصاديا التي تحقق فائض في ميزانها التجاري ، وهو ما يعكس بوضوح مدى الفشل الذي آلت اليه السياسات الاقتصادية المتبعة في الأردن في المجالات التجارية والصناعية والمالية والإدارية والاستثمارية ،وذلك بفشلها في تكوين بيئة استثمار نموذجية قادرة على تكوين قواعد صناعية إنتاجية واسعة وراسخة ومتقدمة يمكنها أن تضخ للأسواق المحلية والخارجية صادرات كبيرة من السلع يفوق حجم ما يُستوْرَد من الخارج.
 
محلل اقتصادي أردني

التعليق