أين نحن من الدعاية الإسرائيلية

تم نشره في الثلاثاء 1 آذار / مارس 2005. 03:00 صباحاً


    تنطلق اسرائيل الرسمية في هذه الأيام بحملة دبلوماسية واسعة في الاوساط الدولية "لتشرح للعالم" عمن يقف وراء عملية تل ابيب، التي وقعت ليلة الجمعة السبت من الاسبوع الماضي وأوقعت خمسة قتلى.


    لقد كان هناك شبه اجماع فلسطيني، خاصة في داخل الضفة الغربية وقطاع غزة، على رفض هذه العملية، من حيث التزامن والهدف، وقد برز هذا من خلال البيانات الفلسطينية الرسمية والحركية، إذ توالت البيانات من الفصائل المركزية على الاعلان عن عدم مسؤوليتها عن العملية والتزامها بالتفاهمات مع قيادة السلطة الفلسطينية.


    ولكن للأسف، فهناك من يقرر بين الحين والآخر ان يفرض على مجمل الشعب الفلسطيني جدول اعماله الخاص وخرق مظاهر الوحدة الفلسطينية، وهي اهم اساس لتعزيز النضال الفلسطيني لانهاء الاحتلال واقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.


    وكما كان متوقعا فإن اسرائيل تريد الآن استثمار اقصى ما يمكن لهذه العملية مستغلة وضعية الأسرة الدولية، والحساسية الكبرى لهذا النوع من العمليات الانتحارية ورفضها لها، خاصة وان اسرائيل ستظهر الآن "كمن تريد التهدئة" وهناك من يريد تدميرها".


    والاستثمار الاسرائيلي لا يتوقف فقط عند الحلبة الفلسطينية، فاسرائيل تريد اتهام كل جهة تطمح الى تصفيتها، وهذا برز في مسلسل البيانات الاسرائيلية، فبداية اعلنت اسرائيل اتهامها المباشر لحزب الله اللبناني، وكان هذا طيلة يوم السبت، ولكن في مساء يوم السبت، وبعد ظهور شريط منفذ العملية واعلان "الجهاد الإسلامي" عن مسؤوليتها عن العملية، شطبت اسرائيل بيانها السابق، وتحولت مباشرة ليس الى الجهاد الإسلامي بل الى سورية، واستمرت البيانات الاسرائيلية تتوالى حتى صباح يوم الاثنين، حين "بشرتنا" الاجهزة الامنية الاسرائيلية بأنها تتهم ايضا ايران، لانها "تمول حركة الجهاد الإسلامي الفلسطينية" على حد المزاعم الاسرائيلية.


    عمليا فإن اسرائيل تريد استثمار هذه العملية من اجل اثارة ملفات أخرى مع الجهات المذكورة، وهي ليست بحاجة الى جهد خارق كي تكسب نقاطا اضافية على الساحة الدولية، على ضوء الدعم الامريكي المطلق لاسرائيل. وايضا على ضوء خطة الفصل القاضية باخلاء مستوطنات قطاع غزة واقصى شمال الضفة الغربية، هذه الخطة التي بالامكان اعتبارها واحدة من اخطر المؤامرات على مستقبل القضية الفلسطينية وآفاق الحل الدائم لما تحمله من مخاطر على صعيد الاستيطان في الضفة الغربية، وهذا أمر تنص عليه خطة رئيس الحكومة اريئيل شارون، وللأسف فهناك من ابناء جلدتنا من لا يريد سوى رؤية مسألة الانسحاب من قطاع غزة، ليعطي شارون الدعم البرلماني الأعمى.


    كما ان اسرائيل تستثمر على الساحة الدولية ما "تواجهه" حكومة اريئيل شارون من معارضة "شرسة" من قوى اليمين الاسرائيلي المتطرف ضد خطة الانسحاب، هذه المعارضة التي على الرغم من وصف اسرائيل الرسمية لها بـ "الشرسة"، إلا ان اسرائيل ذاتها تتعامل معها بقفازات من حرير.


    وفي خضم هذه الضجة الاسرائيلية، التي للأسف وجدت من يغذيها من داخلنا نحن الشعب الفلسطيني بهذه العملية المرفوضة، يحق ان نسأل انفسنا أين الاعلام الفلسطيني والعربي الرسمي لتسليط الاضواء على ما تقوم به اسرائيل من مخططات خطيرة وقاتلة في الضفة الغربية، من توسيع وتوطيد استيطان في جميع انحاء الضفة الغربية وتقطيع الضفة والقدس بجدار الفصل العنصري.


    لقد امتلأت وسائل الاعلام الاسرائيلية في الاسابيع الأخيرة بتقارير مفصلة حول المخططات الاستيطانية الرهيبة في الضفة الغربية، هذه التقارير التي إما ان مؤسسات اسرائيلية شبه رسمية، او هيئات سلامية اسرائيلية تكشف عنها  ومن المفارقات نذكر ان اعتمادنا نحن كفلسطينيين وعرب من حيث مخططات الاستيطان يرتكز بالاساس على المعطيات الاسرائيلية، وهذا ليس من باب الاتهام للمؤسسات الفلسطينية الرسمية، فبالفعل لا يمكن التوصل الى معرفة ما يجري داخل المستوطنات لولا هذه المعطيات الاسرائيلية، وحتى ان الاستناد الى ما تنشره اسرائيل نفسها قد يعزز اعلامنا، هذا الاعلام الرسمي الذي للأسف لم نسمع عنه بعد ولم نلمسه على الساحة الدولية.


    ليس من الطبيعي ان تستغل اسرائيل جريمة تقع في احد شوارعها، وتجعل العالم يرتكز عليها وحدها، في الوقت الذي تشهد فيه كل شوارع فلسطين جرائم احتلالية من كافة الاصناف وليس فقط الدموية منها، والى جانب هذا جريمة مواصلة سلب الاراضي الفلسطينية وفرض وقائع استيطانية خطيرة.


     فيكفي ان نلتفت الى معطيات الاسبوع الأخير، التي قالت ان سلطات الاحتلال الاسرائيلي تريد مصادرة 17 الف دونم في الضفة الغربية المحتلة، وتثبيت 120 بؤرة استيطانية عشوائية، وتحويلها الى مستوطنات رسمية، لتضاف الى اكثر من 123 مستوطنة قائمة في الضفة الغربية، عدا الاحياء الاستيطانية في القدس الشرقية المحتلة، وان سلطات الاحتلال بصدد بناء اكثر من 6500 وحدة سكنية استيطانية في مختلف انحاء الضفة، وايضا هذا الرقم لا يشمل الاستيطان في القدس المحتلة.


    لا يمكن ان نفهم كيف ان شعبا واقع تحت الاحتلال وهو ضحية لاحتلال شرس، لا يزال يقف في موقع الدفاع ولا يشن هجوما اعلاميا مقنعا، فنحن نعيش في عصر بات الاعلام فيه حلبة ساخنة للصراع، تعرفه اسرائيل جيدا ولربما تتقنه على الرغم من كل جرائمها، أما نحن، ومن دون ان نظلم انفسنا فإننا ننشغل في داخلنا، وهناك منا من يصر على اشغالنا بحالنا، وببيانات "الاعتذار"، التي إن فرضتها الظروف، عليها ان لا تحجب بيانات الهجوم وكشف الحقائق.

التعليق