نتائج الانتخابات العراقية والربع الكردي

تم نشره في الجمعة 25 شباط / فبراير 2005. 02:00 صباحاً

الانتخابات العراقية لا شك كانت نجاحا كما قيمناها سابقا ولكنها بالنتيجة التي خلصت لها وضعت أمام العراقيين سواء كانوا مواطنين أو صناع قرار تحديا كبيرا وحقيقيا قد يكون الأعظم منذ عقود طويلة. إن حقيقة حصول أكراد العراق على ربع الأصوات المنتخبة سيكون له تداعيات ليست بالسهلة على المستوى السياسي الداخلي والخارجي. فمنطق الأرقام الانتخابية يفضي بأحقية الأكراد في نفوذ سياسي اكبر، وسمعنا عن مطالبات برئاسة الدولة العراقية, ولكن هذا المنطق يغفل حقائق اكبر مثل التوزيع الديمغرافي في العراق أو العزوف المؤسف لسنة العراق عن المشاركة بالانتخابات الأمر الذي حذرنا منه ومن انعكاساته السلبية ليس على احد بل على السنة أنفسهم. وبالمحصلة فنتيجة الانتخابات العراقية قد لا تكون انعكاسا صادقا للتركيبة الاجتماعية - السياسية في العراق وبذلك فمن غير المحبذ أن تؤخذ كمرجعية عندما يحين وقت هندسة نظام دستوري يعمل على توزيع المكتسبات السياسية والعلاقة مابين المؤسسات السياسية العراقية. وقد تكون نتيجة هذه الانتخابات مقبولة كمرجعية في حالات ديمقراطية متقدمة، ولكن ليس في دولة لا زالت بمرحلة صياغة الدستور.


الأحرى بحكماء العراق ومن سيصيغون نظامه الدستوري أن يتعاملوا مع الحقائق الديمغرافية كما هي لا أن يستخدموا نتيجة الانتخابات كدلالة ديمغرافية. إذا لم يفعلوا ذلك يكون العراق قد دخل بمرحلة أخرى من انتقاص الحقوق لبعض فئاته المجتمعية وكما كان الأكراد والشيعة مضطهدين في العهد القديم سيصبحون هم المضطهدين للعراقيين السنة في العهد الجديد وهذا ليس من الحكمة في شيء.


الأصل أن لا نتحدث بمنطق الأقليات وان لا يصار إلى اعتماد هذا المنطق كإطار فكري عند التخطيط للمستقبل السياسي للعراق والأحرى أن نتعامل مع كل العراقيين بتعدداتهم وتبايناتهم كعراقيين أولا وأخيرا خاصة إذا ما كان الحديث سياسيا دستوريا. ولكن بما أن هذا هو واقع الحال اليومي للعراقيين وصناع قرارهم فلا بد من محاولة وضع الأمور في نصابها الأصح.  النموذج اللبناني الذي يعتمد التوزيع الطائفي والعرقي كمدخل أساس من مدخلات العملية السياسية مقبول نسبيا وقد صمد إلى حد ما ولكنه لا يجب أن يكون الطموح فهذا النموذج يحمل بذور الخلاف ولا بد من توافر درجة عالية من الوعي السياسي للحيلولة دون حصول خلافات. وفي الحقيقة إذا ما أردنا إسقاط المنطق السياسي الطائفي والعرقي على النظام السياسي الأمريكي على سبيل المثال وقلنا لعموم الشعب الأمريكي أن منصب رئيس مجلس النواب لا بد أن يشغله أمريكي من أصل إفريقي ورئيس المحكمة العليا لا بد أن يشغله أمريكي من أصل لاتيني فإن هذا الشعب سيتقبل هذا الأمر على انه ضرب من ضروب الجنون السياسي. فالقاعدة العامة ضمن الحياة السياسية في معظم الدول الديمقراطية الناضجة سياسيا هي أن الأكفأ هو الذي يتقلد المنصب بصرف النظر عن عرقه او طائفته طالما انه مقيد بالدستور والقانون ومحاسب ضمن ميكانيكية الانتخابات الدورية. الأصل أن يكون هذا هو حال العراق، ولا يجب أن نسلم بأن هناك مشكلة في حال أن أصبح رئيس الوزراء ورئيس الدولة ورئيس البرلمان كلهم من الشيعة أو من السنة أو من الأكراد طالما أنهم يحكمون ضمن قواعد القانون ويتعاملون مع كل العراقيين بمساواة. الديمقراطية هي الحل وليس التوليفة العرقية الطائفية. أحزاب الشيعة المتنافسة ديمقراطيا ستتسابق للفوز بالتأييد السني او الكردي مما سيعطي السنة والأكراد ثقلا سياسيا تماما كما الأمريكيين من أصل إفريقي او لاتيني او المسلمين الأقلية في الهند.  

التعليق