حول ضرورة الدفاع عن وظيفة الدولة الوطنية

تم نشره في الجمعة 25 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

 يشكل مشروع العولمة نمطا مؤسسيا جديدا يهدف اساسا الى ترسيخ وتأبيد الرِأسمالية الاحتكارية في النظام العالمي, ويقدم نفسه بوصفه البديل الحتمي للايديولوجيا الاشتراكية او القومية والخيارات الوطنية, ولكن على اسس جديدة من الشمولية التي تدعي ليبرالية جديدة تمثل الطريق القويم للمصائر الانسانية.
وفي اكثر تجلياتها قسوة تضع العولمة العالم والامم الضعيفة امام خيارين لا ثالث لهما, اما القبول بالعقيدة الليبرالية الجديدة التي تضمن للدول القوية وعلى رأسها الولايات المتحدة ان تتفرد بكل شيء, ليبقى العالم الاخر الهش والمتخلف ينتظر ما تمنّه عليه القوى المسيطرة في هذه العولمة. واما القبول بمبدأ الكولونيالية الجديدة, والخضوع الاستعماري الصريح ولكن التضليل الذي يحصل في هذه المعادلة مصدره الرضوخ للوهم الامبريالي بأن كلا من الليبرالية والكولونيالية قد جاءتا من عوالم مختلفة.


فالعولمة وهي في احدى وجوهها المتوحشة ليست سوى بربرية ناعمة, تتوسل في وسائلها وسياساتها ادوارا من الليبرالية والكولونيالية, انطلاقا من قوة الدولة القومية العسكرية التي تمثلها الولايات المتحدة, بوصفها الحامل التاريخي لمشروع العولمة, المعتمد على نزعتين متناقضتين: الحرية القصوى للسوق ورأس المال والشركات المتعدة الجنسيات, والقوة العسكرية الضرورية لفرض العولمة, حينما تنشأ ممانعة وطنية ضد الهيمنة والاستغلال. وقد اضيف عامل الدين الخارجي والحاجة الى المساعدات المالية لتمويل مشاريع التنمية في البلدان المتخلفة عاملا مساعدا برز منذ الثمانينيات من القرن الماضي لجعل العالم الثالث هو الحقل الاختباري لتحقق المشروع الجديد للادارة الاقتصادية العالمية وفق منظور العولمة.


 منذ ذلك التاريخ تم تحوير مفهوم التنمية الوطنية بصورة تضمن تحقيق سياسة شاملة للحرية الاقتصادية بصرف النظر عن الحرية السياسية. وتمثل ذلك بصورة خاصة بالتسارع في خصخصة الوظائف العامة وتطبيق آليات السوق الرأسمالية في كل من ادارة وتحديد الاجور والاسعار والتجارة وعمليات الاستثمار وانتقال رؤوس الاموال. وهكذا فاذا كان مشروع التنمية الكلاسيكي قد مثّل رؤية محددة لتنظيم العالم عبر عملية نسخ في الدول الوطنية فإن مشروع العولمة يسعى لترسيخ الرأسمالية الاحتكارية بشكل بديل من خلال ادارة اقتصادية تسمى عالمية.


ان من شأن هذه التبدلات ان توجه الحكومات في ظل ضعف قدراتها على إدارة الثروة الوطنية والنمو الاقتصادي نحو تصفية نظم الرعاية الاجتماعية, ويشمل ذلك ايضا معنى من معاني عولمة او تدويل السلطة السياسية, من خلال مركزة السلطة في ايدي مؤسسات متعددة الجنسيات لفرض واقرار احكام وسياسات مباشرة في القرار السياسي الوطني والتحكم به. ومما لا شك فيه ان هذه المؤسسات سيكون لديها القدرة الفعلية على صياغة الاولويات الادارية للدولة الوطنية. وتمثل ذلك بالفعل من خلال المعايير الجديدة للاقراض والمساعدات التي يطبقها البنك الدولي والجهات التي تصر على التعديل البنيوي الهيكلي للدولة, بصورة ليست بالضرورة ان تكون منسجمة مع مصالح الاغلبية الشعبية فيها.
 في الدول التي شرعت بتنفيذ توصيات التعديل الهيكلي فقد حوّل نظام الدّين خطاب التنمية التقليدي على نحو مختلف تماما. فقد تم اعادة صياغة المشروع الوطني برمته بشكل جديد وبالتالي فلم تعد المسألة المتابعة والاستمرار في مشروع التنمية, ولكن بالاحرى اصبحت الهيكلة امرا ضروريا لضمان اعادة دفع الدّين. ولذلك فقد مثلت التحولات الاقتصادية الاجتماعية والترتيبات الادارية المسمّاة باعادة الهيكلة عدولا صريحا عن مشروع التنمية التاريخي. واصبحت التنمية التي يجري تسويقها تتم عبر الاندماج في الاقتصاد العالمي والتأهيل الوطني للدخول في المنظومة العولمية.


  في العالم الثالث كان الاحتفاء بالنظرية الليبرالية الجديدة يتمثل بخطوات حاسمة:


1. تصفية أي شكل من أشكال رأسمالية الدولة وأولها في المؤسسات العامّة الناجحة نسبيا
2. خصخصة شاملة وتدريجية للمشاريع التي تملكها الدولة
3. التقليص الشديد في أوجه النفقات العامة
4. تخفيض البرامج الاجتماعية المدعومة من قبل الحكومات الى حدودها الدنيا


     لن يمضي وقت طويل حتى يتم اكتشاف الوعود الخائبة بالنسبة للتنمية الوطنية التي تهدف مجددا الى تقليص الفقر والبطالة وعدم المساواة, اعتمادا على عامل السوق والتأهيل بدلا من استمرار الدولة في القيام بهذه المهمة. فالتجارب الراهنة تثبت بأن النتائج التنموية المتوقعة متواضعة جدا, وستترك بدون شك آثارها السلبية القاسية, خصوصا عندما يتم التحكم والاستحواذ بالعوائد الاقتصادية من قبل شبكة معقدة من المحسوبيات الضيقة, وتركيز السلطة بيد الحكومات بشكل شبه منفرد.  أي في ظل غياب الديمقراطية والمساءلة.


     وتبدأ مشكلات الدولة الوطنية بالظهور عندما يبدأ التناقض جليا بين اهداف هذه الليبرالية الاقتصادية وبين اهداف الميثاق او العقد الاجتماعي الذي ترتكز عليه شرعية النظام السياسي. باخراج الدولة من العملية الاقتصادية, وقطع اعانات الحكومة للطبقة الدنيا والوسطى وتصفية فرص التوظيف في المؤسسات والشركات التي تملكها الدولة , جميعها سياسات من شأنها ان تخلق مشكلات معقدة جديدة قد تصبح معها الدولة عاجزة عن ادارة الصراعات الاجتماعية. ولذا فهي قد تكون مضطرة دائما الى الاستبداد ومنع نشوء كل من المجتمع السياسي والمجتمع المدني.


     ان الاقصاء المتصاعد لدور الدولة الوطنية من النشاط الاقتصادي المباشر كما ترسخه قوى الليبرالية العولمية الجديدة قد اصبح بالفعل موضع شك وتساؤل فضلا عن كونه موضع نقد ونضال اجتماعي بالنسبة للقوى الاجتماعية المحلية,  كذلك بالنسبة للقوى الانسانية المناهضة للعولمة. حتى ان البنك الدولي الذي كان اول من استخدم تعبير الحكم الرشيد في العالم الثالث بعد استشراء الفساد المالي والاداري الذي اعاق فرص التنمية المستدامة اخذ يعترف بأهمية الوظيفة التشريعية للدولة, وخضوعها للمساءلة من قبل المجتمع المدني والمجتمع السياسي, مع الاخذ بعين الاعتبار الحفاظ على حرية السوق والاستثمار باعتبارها عمليات ضرورية للنمو الاقتصادي.


     سوف يعني هذا بكل تأكيد ان الدولة لم تستنفد وظيفتها في توجيه التنمية وحفظ التوازن الاجتماعي. ولذلك فقد ظهرت هناك محاولات لتطوير او لتهذيب طموحات الليبرالية باسم الطريق الثالث او الخيار الثالث. وهو خيار يحاول ان يجمع بين مزايا ليبرالية السوق وضرورات العدالة والتنمية الاجتماعية. ذلك ان الاسواق غير المقيّدة والاقتصاد المفتوح بدون أي دور للدولة من شأنهما ان يحطما نفسيهما ويخلقا تفاوتا اجتماعيا هائلا, وبالتالي يقضيان على حالة السلم الاهلي والاجتماعي داخل الدولة, مما يعزز نمو التوجهات الصراعية بدلا من التوجهات التنافسية كما تزعم قوى الاقتصاد المفتوح ولاهوتيي التنظير الرغبوي.


    ان انحسار وتراجع دور الدولة لحساب مؤسسات عالمية بديلة من شأنه ان يخلق آثارا قاسية نتيجة للاندماج العولمي تتمثل اساسا في تآكل وتراخي قدرة الحكومة على ادارة الثروة والنمو الاقتصادي, وتفكيك التحالفات الطبقية التي تشكلت حول مشروع التنمية, كما ان الأولويات الادارية والوطنية للدولة ستكون الى حد كبير بيد هذه المؤسسات العالمية العابرة للقومية.


     وكمثال على الدور الحيوي للدولة فان الولايات المتحدة التي تقود العولمة, لا بل تفرضها على العالم كثيرا ما تتدخل لحماية منتجاتها، فيما هي تمارس الضغوط المختلفة على الاخرين لاجبارهم على رفع الحمايات والتقيد بقوانين وتشريعات هي نفسها لا تقوم بتطبيقها أو احترامها.


     من المفارقات الطريفة ان ماكنّا لا نستطيع الدفاع عن شرعيته من منظور قومي ، أي الدولة الوطنية حتى الأمس القريب، أملا في الوحدة العربية, نسعى اليوم لكي نقاوم من اجل بقائه واستمراره دون تفكك أو تحلل.  فالدولة الوطنية اصبحت سقفا للطموح, ولكنها هي ايضا معرضة للتخريب كمشروع اجتماعي سياسي. فالبديل في ظل الليبرالية الجديدة اقل بكثير من الكيانية القطرية، شيء أقرب ما يكون الى الجغرافيا الطائفية والإثننية. جغرافيا يسهل قيادتها في كل الاحوال نحو مصائرها العولمية الغامضة. وفي احسن الاحوال فهي تتحول الى مولّد ذاتي للعمالة والقنانة الرخيصة للعولميين المتوحشين.

التعليق