بوش في أوروبا هل يمكن تحقيق التوافق؟

تم نشره في الخميس 24 شباط / فبراير 2005. 03:00 صباحاً

 


ماذا يحمل الرئيس بوش في رحلته الأوروبية؟


 السؤال مهم نتيجة ما شاب العلاقة بين ضفّتي الأطلسي منذ الحادي عشر من أيلول سنة 2001. حيث انبنت سياسة بوش منذئذ على تجاهل أوروبا و تهميشها، بعد أن حدّد لها الخيار بين أن تكون مع أميركا وبالتالي تدعم كل سياساتها وحروبها، أو تُحسب ضدّها، في إطارسياسة كانت تخدم المصالح الأميركية بالتحديد وتجرّ العالم إلى حروب لا نهائية. وكان الإختلاف حول الحرب على العراق عميقاً، إلى حدِّ تكريس إنقسامٍ فعليٍّ بينهما. ترافق مع هجوم إعلاميّ أميركي وصل حدّ إعتبار أوروبا: القارة العجوز.


و لقد تمثّل إعتراض أوروبا في رفض السياسة الحربية الأميركية، وعودة الدولة الأميركية إلى سياسة الاحتلال. وكذلك في رفض السياسات الحمائية الأميركية للعديد من القطاعات الإقتصادية، ورفض الزراعة المعدّلة جينياً، والعديد من المنازعات التجارية.


هذا من حيث السياسات والخلاف بين الدول. لكن تبدو السياسة الأميركية منذ الحادي عشر من أيلول وكأنها تسعى إلى فرض السيطرة الأميركية على العالم عبر القوّة العسكرية فائقة التفوّق التي امتلكتها خلال الحرب الباردة، وبالتالي فرض مصالح رأسماليتها وشركاتها على حساب كل الرأسماليات الأخرى، عبر احتكار الأسواق، احتكار التوظيف فيها والتصدير إليها، وأساساً عبر التحكّم بالنفط العالمي من خلال إيجاد قواعد عسكرية أميركية في كل المناطق التي تحوي النفط، حيث أن النفط هو " مصلحة قومية أميركية " كما بات يُشار منذ سنة 1998 على الأقل. وكان كل ذلك يعني خسارة أوروبا، لأنه يعني الخضوع للإرادة الأميركية نتيجة حاجتها للنفط، وأيضاً يعني تقليص أسواقها العالمية، وتراجع إستثماراتها في العالم.


 كان الصراع يبدو وكأنه صراع من أجل تكريس هيمنة أميركا في المجال الإقتصادي، بعد أن أصبح التنافس في إطار السوق العالمية الحرّة يسير لغير مصلحتها. الأمر الذي فرض عليها إحتكار الأسواق عبر القوّة المتفوّقة التي تتمتّع بها منذ نهاية الحرب الباردة. وكانت معادلة العلاقة مع أوروبا تقوم على مبدأ إلحاق الرأسمالية الأوروبية بالرأسمالية الأميركية، أوتأكيد هيمنة الرأسمالية الأميركية على الرأسمالية الأوروبية، من خلال تقليص أسواقها وبالتالي تهديد وجودها، لكي تهاجر رساميلها إلى أميركا التي تحتاج إلى تعديل ميزان مدفوعاتها الذي يشير إلى " هروب " إلى الخارج نتيجة العجز في الميزان التجاري. أو عبر شراء الشركات الأوروبية المأزومة وفق ذلك أو عبر قبول العمل " من الباطن ". أي بالاعتراف بالهيمنة المطلقة للرأسمالية الأميركية. بمعنى أن السوق العالمي يجب أن يكون واحداً، و أن تكون السيطرة فيه للرأسمالية الأميركية دون مقدرة الآخرين على المنافسة. وفي إطار ذلك يجب أن يندغم الرأسمال الأوروبي في هذه المعادلة.


لقد احتكر الرأسمال الأميركي السوق العراقي بعد الإحتلال، وهو يسعى لإحتكار سوق "الشرق الأوسط الكبير " كله. وبالتالي ستخرج أوروبا من بلدٍ تلو الآخر. من سوريا ولبنان، كما من الجزائر والمغرب العربي. وسوف يُحتكر هذا السوق الضخم من قِبل الرأسمال الأميركي. فهل يقبل الرأسمال الأوروبي هذه المعادلة؟
المشكلة أن الرأسمال بات متشابكاً، ولم يعد من الممكن أن يتكرّر انقسام العالم الرأسمالي إلى معسكرين متناقضين كما حدث في القرن العشرين. لكن ضمن هذا التشابك تستغلّ الرأسمالية الأميركية تفوّقها العسكري الهائل من أجل تكريس هيمنة الرأسمال الأميركي المطلقة في إطار هذه العلاقة المتشابكة. أي بحيث يظلّ الرأسمال الأميركي هو القوّة المسيطرة، وبالتالي بحيث يضعف الرأسمال الأوروبي ويصبح تابعاً ، أو في مرتبة أدنى، ضمن علاقة التشابك هذه.
وبالتالي ماذا يمكن لبوش أن يعطي لأوروبا؟


في السياسة سيتحقق التوافق في الموقف من سوريا ولبنان، ويتقارب في العراق، وأيضاً في الصراع العربي الصهيوني. ويمكن أن يجري البحث في الدور العالمي للحلف الأطلسي. لكن ماذا بشأن الصراع الحقيقي؟ الصراع من أجل السيطرة والنهب، من أجل النفط والأسواق؟


ربما كانت الصعوبات الجدّية في العراق هي التي تدفع بوش إلى إظهار التوافق مع أوروبا، ومحاولة الوصول إلى إتفاق ما. لكن عمق الصراع يُبقي الخلافات قائمة.

التعليق